فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 86

رؤسائه، ولغدا فخورًا بأوسمة الأكاديمية التي كان لا بد له من نيلها في نهاية الأمر، ومما

يؤيد صحة هذه الافتراضات بما فيه الكفاية ما صنعه ناپليون من وحوش الهَوْل الذين

لم يَبْقَ لهم من الوقت ما يضرب بعضُهم فيه رقابَ بعض؛ فقد أصبح معظم هؤلاء من

رؤساء الدواوين والجُباة والقضاة والمديرين؛ وذلك لأن الأمواج التي أثارتها العاصفة -

وهي التي تكلمنا عنها آنفًا - كانت قد هدأت، ولأن البحيرة المضطربة عاد إليها وجهها

الهادئ.

ويَسهُل عليك أن تجد صورًا جديدة لأخلاق العِرق الأساسية حتى في أشد الأدوار

اضطرابًا وأغربها تغييرًا للشخصيات، وهل كان النظام المركزي الاستبدادي المتحكم الذي

جاء به يَعاقِبَتُنا الأشداء يختلف بالحقيقة عن النظام المركزي الاستبدادي المتحكم الذي

قالت به المَلكية في خمسة عشر قرنًا، فأصَّلته في النفوس تأصيلًا عميقًا؟ وخَلْفَ جميع

ثورات الأمم اللاتينية يعود إلى الظهور، على الدوام، ذلك النظام العنيد، ذلك الاحتياج

المتأصل إلى الخضوع؛ وذلك لما فيه من إجمالٍ لغرائز العرق اللاتيني، ولم يكن ما

اتفق لبوناپارتَ من مجد الفتوح وحدَه هو الذي جعله سيدًا، وبوناپارت حينما حوَّل

الجمهورية إلى دكتاتورية كانت غرائز العرق الموروثة تتجلَّى كل يوم بأشد مما هي

عليه، ولو لم يظهر هذا الضابط العبقري لكفى لذلك أيُّ مغامر كان، وتمضيخمسون

سنة فلم يكن على وارثِ اسمِهِ إلا أن يُرِيَ نفسه لينال أصوات أمةٍ تَعِبةٍ من الحرية

متعطشةٍ إلى العبودية، وليس برُومِير (الشهر الثاني من السنة الجمهورية) هو الذي

صنع ناپليون، بل روح العرق الذي أخذ يركع تحت قدمه الحديدية. 1

وإذا كان تأثير البيئات في الإنسان يظهر كبيرًا؛ فلِمَا للبيئات من فعل في العناصر

الثانوية المؤقتة أو في ممكنات الخلق التي تكلَّمنا عنها، وفي الحقيقة لا تكون التغييرات

عميقة، وبيان ذلك أن أكثر الناس دَعَة إذا ما عضَّه الجوع بلغ من القسوة ما يدفعه إلى

اقتراف جميع الجرائم، حتى إلى افتراس نظيره في بعض الأحيان، أفيُقال، والحالةُ هذه،

إن خُلقه الأصلي قد تَغَيَّر؟

وإذا حدث أن مقتضياتِ الحضارة حَفَزَت أناسًا إلى أقصى الغنى وما يوجبه الغنى

من المتاعب حتمًا، وأنها أوجدت في أناس آخرين احتياجاتٍ عظيمةً من غير أن تجعل

لهم وسائل لقضائها، فإن الذي يَنْجُم عن هذا هو استياء وقلق عام يُؤثِّران في السَّيْر

ويُثِيران انقلاباتٍ من كل نوع، بيد أن أخلاق العرق الأساسية تتجلى في ذلك الاستياء وفي

هذه الانقلابات، ومن هذا القبيل ما كان من تمزق إنكليز الولايات المتحدة في حربهم

الأهلية، وإبدائهم في ذلك من العناد والنشاط العظيم مثل ما يبدونه اليوم في شَيْدِ المدن

والجامعات والمصانع، فخُلُقُ أولئك لم يتغير في ذلك، وإنما الذي تغيَّر هو الموضوعات

التي طُبِّق عليها ذلك الخلق.

ونحن، حين نبحث بالتتابع في مختلف العوامل التي تؤثر في مزاج الأمم النفسي،

نرى أن هذه العوامل تمس نواحي الخلق الثانوية الموقتة دائمًا، لا عناصره الأساسية، أو

أنها لا تمسُّ هذه العناصرإلا بعد ركام وراثي بطيء.

ولا نستنتج مما تقدم أن صفات الأمم النفسية لا تتغير، بل نستنتج فقط أن هذه

الصفات ذات ثبات كالصفات التشريحية، ولهذا الثبات تتغير روح العروق في غضون

القرون رويدًا رويدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت