ومما تقدم ترى أنه يجب عدُّ التوالد عاملًا أساسيٍّا في تكوين العروق الجديدة،
وعاملًا قويٍّا في انحلال العروق القديمة، ومن الصواب، إذن، أن اجتنبت الأمم التي بلغت
درجة رفيعة من الحضارة مخالطة الأجانب، ولولا نظام الطوائف العجيب لرأى لفيف
الآريين الذي استولى على الهند نفسه غارقًا بسرعة في جماعة السود الكبيرة التي كانت
تحيط به من كل جانب، ولَمَا ظهرت أية حضارة في تلك البلاد العظيمة، ولو لم يحافظ
الإنكليز في أيامنا على مثل ذلك النظام عمليٍّا فتوالدوا هم وأبناء البلاد الأصليون لخسروا
إمبراطورية الهند العظمى منذ زمن طويل. أجل، قد تفقد الأمة أشياء كثيرة وتعاني
مصائب كثيرة ثم تنهض بعد ذلك، ولكنها تفقد كل شيء فلا تنهض أبدًا إذا أضاعت
روحها.
ويقوم التوالد بدوره المخرِّب ثم بدوره المبدع، اللذين تكلمتُ عنهما فيما تقدم،
عندما تغدو الحضارات التي تكون في دور الانحطاط فريسة الغزاة المسالمين أو المقاتلين،
ويقوِّض هذا التوالدُ دعائمَ الحضارة القديمة لتقويضه روحَ الأمة التي تمسكها، وهو
يوجب ابتداع حضارة جديدة ما دامت الأخلاق النفسية القديمة للشعوب المتقابلة قد
زالت، وما دامت قد بَدَتْ أخلاق جديدة في طور التكوين بفعل أحوال الحياة الجديدة.
وفي العروق التي تكون في دور التكوين بعد أن خسرت صفاتها الموروثة بوراثات
معاكسة، وفي هذه العروق فقط، يبدو تأثير آخر العوامل المذكورة في بدء هذا الفصل:
يبدو تأثير البيئات، وتأثير البيئات هذا، وهو ضعيف إلى الغاية في العروق القديمة، عظيمٌ
إلى الغاية في العروق الجديدة. وبيان الأمر أن التوالد، حين يهدم الأخلاق النفسية الموروثة
التي دامت عدة قرون، يُحدِث لوحًا مَلِسًا فيقيم عملُ البيئات عليه بناءَه في قرون كثيرة
ثم يوطِّد الأخلاق النفسية الجديدة، وهنالك، وهنالك فقط، يكون قد تكوَّن عرق تاريخي
جديد، وعلى هذا الوجه تكوَّن عرقنا.
والبيئات، مادية كانت أو أدبية، ذات قوة أو ضعف بحسب الأحوال، وبهذا نفسر
السبب في تناقضما دار حول تأثيرها من الآراء، وتأثير البيئات يكون عظيمًا في العروق
التي هي في دور التكوين كما رأينا، ولكننا إذا نظرنا إلى العروق التي ثبتت منذ زمن
طويل بفعل الوراثة أمكننا أن نقول إن تأثير البيئات فيها يكاد يكون صفرًا.
ولنا في عدم تأثير حضارتنا الغربية في أمم الشرق، مع اتصالها بها منذ عدة أجيال،
دليلٌ على عدم تأثير البيئات الأدبية في العروق، وذلك كما يُشاهد لدى الصينيين المقيمين
بالولايات المتحدة، ولنا في مصاعب التوطن دليلٌ على ضعف تأثير البيئات المادية. وأهونُ
على العرق القديم أن يفنى من أن يتحوَّل إذا ما نُقل إلى بيئة تختلف عن بيئته اختلافًا
كبيرًا سواءٌ أكان هذا العرق بشريٍّا أم حيوانيٍّا أم نباتيٍّا، ومن ذلك أن غَدَتْ مصرُ قبرًا
لفاتحيها من مختلف الأمم على الدوام. ومصرهذه لم يسطِعْ أحد أن يستوطنها، ومصر
هذه لم يترك فيها الأغارقة والرومان والفرس والعرب والترك وغيرهم أثرًا من دمائهم،
والمثال الوحيد الذي تبصره في مصر هو مثال الفلَّاح الثابت الذي تُشابه ملامحُهُ ملامحَ
أولئك الذين نحتهم متفننو مصرمنذ سبعة آلاف سنة على قبور الفراعنة وقصورهم.
ولا يزال معظم العروق التاريخية الأوربية في دور التكوين، ومن المهم معرفة ذلك
لإدراك تاريخ تلك العروق، ويكاد الإنكليزي الحاضروحده يمثل عرقًا ثبت أمرُه تمامًا،
ففي الإنكليزي امَّحَى البريتوني القديم والسكسوني والنورماندي لتأليف مثالٍ جديد على
شيء من التجانس، والأمر في فرنسة على العكس، فترى فيها الپرو?نسي يختلف كثيرًا
عن البريتوني، وترى فيها الأو?ِرْني يختلف كثيرًا عن النورمندي، ومع ذلك نقول: إذا
لم يوجد حتى الآن مثالٌ فرنسي متوسط فإنه يوجد على الأقل أمثلة متوسطة في بعض
البقاع الفرنسية، ومن دواعي الأسف أن كانت هذه الأمثلة مختلفة أشد الاختلاف في
الأفكار والأخلاق، ومن الصعب، إذن، أن تجد نُظُمًا تلائم هذه الأمثلة على السواء، والنظام
المركزي العنيف وحده هو الذي يستطيع أن يمنَّ عليها ببعضالأفكار المشتركة، والمصدر
الرئيس لما لدينا من فروق عميقة في المشاعر والمعتقدات، وما أسفرت عنه هذه الفروق
من الانقلابات السياسية، هو فيما بين الأمزجة النفسية من فروق يستطيع المستقبل
وحده أن يمحوها على ما يحتمل.