ويبدو الأمر دائمًا على الوجه المذكور عند تماسِّ مختلف العروق، وتظهر المنازعات
الداخلية والانشقاقات عنيفة بنسبة اختلاف العروق المتواجهة، ومن المتعذر أن تُحمل
العروق الشديدة التباين على العيش بنُظُم واحدة وقوانين واحدة كما يشهد بذلك، في
كل وقت، تاريخ الإمبراطوريات العظمى التي تألفت من عروق مختلفة، والتي تزول
بزوال مؤسسها في الغالب، ومن الأمم الحديثة تجد الهولنديين والإنكليز وحدهم قد وُفِّقُوا
لفرض سلطانهم على شعوب آسيوية تختلف عنهم اختلافًا كبيرًا، ولكنهم لم يصلوا إلى
ذلك إلا لأنهم عرفوا كيف يحترمون طبائع هذه الشعوب وقوانينها تاركين لها إدارة
نفسها بنفسها في الحقيقة مقتصرين على جزء من الضرائب، وعلى ممارسة التجارة
وحفظ الأمن.
وإذا عَدَوْتَ هذه الاستثناءات النادرة وجدتَ أن جميع الإمبراطوريات الكبيرة المشتملة
على أمم متباينة لم تقُمْ إلا بالقوة، وأنها تزول بالعنف. والأمة، لكي تنشأ فتدوم، لا بد
لها من أن تتكون على مهلٍ بامتزاج عروق قليلة الاختلاف مقدارًا فمقدرًا، وبتوالد هذه
العروق فيما بينها توالدًا مستمرٍّا، وبعيشها على أرض واحدة، وبمعاناتها تأثير بيئات
واحدة، وبإذعانها لنظم واحدة ومعتقدات واحدة، وهكذا، تستطيع هذه العروق المختلفة
أن تؤلف أمة متجانسة بعد مرور بضعة قرون.
وكلما تقادم العالم استقرت العروق فيه شيئًا فشيئًا، وغدا تحوُّلها بالامتزاج نادرًا
مقدارًا فمقدارًا، وكلما تقدمت البشرية سنٍّا شعرت بثقل الوراثة وصعوبة التحول، ولذا
يمكننا أن نقول إن دور تكوين العروق التاريخية في أوربة سينقضيبعد قليل.