بابلَ ومصر قبل الميلاد بخمسة قرون؛ أي على مَرْكَزيِ الحضارة اللذين كان مجدُهما
ينير العالم الشرقي في ذلك الحين، ولم يكن أمر الأغارقة الذين خبِّئ لهم أن يسيطروا على
العالم ذات يوم ليخطر على البال آنئذٍ، فغدت الإمبراطورية الفارسية مركزًا للحضارة إلى
الزمن الذي قُضيعليها فيه قبل الميلاد بثلاثة قرون من قِبَلِ الإسكندر الذي حوَّل بذلك
مركز الحضارة ذلك دفعة واحدة.
وإذا لما يكن للفرس، بعد استيلائهم على مصرَ وبابلَ، فن خاص فإنهم استعاروا
من هذين البلدين نماذج ومتفننين، وإذا لم يدُمْ سلطان الفرسغير قرنين لم يكن عندهم
من الوقت ما يُحَوِّلون به هذه الفنون تحويلًا أساسيٍّا، ولكن الفرس حين انهاروا كانوا
قد بدأوا بتحويل تلك الفنون، ولنا في أطلال برسپوليس (إصْطَخْر) التي لا تزال ماثلةً
خبرٌ عن تكوين تلك التحولات. أجل، إننا نجد خلطًا هنالك لا ريب، وإن شئت فقل نجد
تنضُّد فنون مصر وآشور الممزوجة ببعض العناصر الإغريقية، غير أن عناصر جديدة
تبدو هنالك، يبدو هنالك، على الخصوص، العمود الإصْطَخْري العالي الذي له تيجان ذات
رأسين والذي نبصرمن تيجانه هذه أن الزمان لو أمهل الفرس لأبدع هذه العرق الرفيع
فنٍّا خاصٍّا، ولو لم يبلغ ما بلغه فن الأغارقة من السُّمو.
ولدينا دليل على ذلك فيما نلاقيه من مباني الفرس التي شِيدَتْ بعد عشرة قرون،
وبيان الأمر أن الأسرة الكينية التي أسقطها الإسكندر قد خَلَفَتْهَا الأسرة السلوقية فالأسرة
الأشكانية فالأسرة الساسانية التي قضى عليها العرب، وبالعرب اكتسب الفرس فنَّ
بناءٍ جديد، وما يشيده الفرس من مبانٍ على أثر ذلك فذو طابعِ إبداعٍ ثابت ناشئ
عن مزج الفن العربي بفن بناء الكينيين القديم المعدَّل بخلطٍ مع فن الأشكانيين ذي
المسحة اليونانية كالأبواب الشاهقة التي تبلغ ذُرْوَةَ وجهة البناء، وكالآجُرِّ المطلي بالميناء،
وكالأقواس ذات الزاوية في أعلاها إلخ، وهذا الفن الجديد هو الفن الذي نقله المغول إلى
الهند محوَّلًا بعد ذلك.
وتدلنا الأمثلة السابقة على ما قد تحدثه الأمة من التحولات في فنون أمة أخرى،
وذلك بحسب العرق وبحسب الزمن الذي يدوم فيه نفوذها.
ويرجع الفن المستعار - كما رأينا - إلى طور منحطٍّ لدى عرق متأخر كالإثيوبيين
يحمل وراءه قرونًا مع اتصافٍ بقدرة دماغية ناقصة، وقد رأينا لدى الأغارقة؛ أي لدى
العرق الرفيع وذي المجهود في عدة قرون، تحول الفن القديم إلى فن جديد أعلى منه
تحولًا تامٍّا، ولم نجد لدى عرق آخر؛ أي لدى الفرس الذين هم دون الأغارقة سُمُوٍّا،
والذين لم يمهلهم الزمن، غير حذق كبير في التركيب وبدء بالتحويل.
ولكننا إذا عَدَوْنَا تلك الأمثلة التي يرجع معظمها إلى زمن بعيد وجدنا من الأمثلة
ما هو أحدث من تلك كثيرًا، وجدنا من نماذج هذه الأمثلة ما لا يزال قائمًا وما يدل على
عِظَم التحولات التي يضطر العرق إلى إحداثها فيما يقتبسه من الفنون، وتلك الأمثلة
تزيد بروزًا عند النظر إلى أمم تدين بديانة واحدة مع اختلاف أصولها، وأقصد بذلك
المسلمين.
فلما استولى العرب في القرن السابع على معظم العالم اليوناني الروماني القديم
وأقاموا إمبراطوريتهم العظمى التي لم تلبث أن امتدت من إسپانية إلى أواسط آسية مارَّة
بجميع شمال إفريقية وجدوا أنفسهم أمام فن بناء واضح المعالم، وجدوا أنفسهم أمام
فن البناء البزنطي، فانتحلوه على عِلَّاته في بدء الأمر، سواء أفي إسپانية أم في مصرأم في
سورية، وذلك في شَيْدِ مساجدهم، ولدينا برهان على ذلك الانتحال في مسجد عمر بالقدس،
ومسجد عمرو بالقاهرة، وفي غيرهما من المباني التي لا تزال قائمة، ولكن ذلك الانتحال
لم يدُمْ طويلًا؛ فقد رُئِيَ أن المباني تتحول بين قطر وقطر وبين قرن وقرن بسرعة، وفي
درسنا أمر هذه التحولات، فوجدناها بلغت من الاتساع ما لا «حضارة العرب» كتابنا
تبصر معه أدنى شَبَهٍ بين بناء أقيم في بدء الفتح كمسجد عمرو بالقاهرة (724) وبناء
أقيم في آخر العهد العربي كمسجد قايتباي (1468) ، ومما أظهرناه بشروحنا وصُوَرنا
في ذلك السِّفْرِ أن المباني القائمة في مختلف البلدان التي دانت لشريعة الإسلام بلغت من
الاختلاف ما يتعذر معه جمعها تحت اسم واحد؛ وذلك خلافًا لما يمكن فعله، مثلًا، في