فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 86

أمر المباني القوطية البادية التشابه مع تنوعها.

ولا يمكن عزو تلك الفروق الأساسية في فن بناء البلدان الإسلامية إلى اختلاف

المعتقدات ما دام الدين واحدًا، بل يُعْزَى إلى اختلاف العروق الذي يؤثر في تطور الفنون

ومصاير الدول تأثيرًا عميقًا.

وإذا صحَّ ذلك القول وجب علينا أن ننتظر اطَّلاعَنا في البلد الواحد الذي تسكنه

عروق مختلفة على مبانٍ متباينة أشد التباين، على الرغم من وَحْدَةِ المعتقدات ووحدة

السلطان السياسي، وهذا ما يُشاهد في الهند بالضبط. وفي الهند يسهل أن تجد من الأمثلة

ما يؤيد المبادئ العامة المعروضة في هذا الكتاب، فتراني أعود إليها على الدوام، ولنا

في شبه جزيرة الهند الكبرى أكثر كتب التاريخ إغراء وحكمة، واليوم تمثل الهند، في

الحقيقة، القطر الوحيد الذي يمكن بانتقال بسيط بين البقاع أن يُطاف به كما يُراد في

غضون الزمان، وأن تُرَى فيه ماثلةً سلسلةُ المراحل المتعاقبة التي اضطُرت البشرية إلى

مجاوزتها للوصول إلى مستوى الحضارة العالي، وفي الهند تشاهد جميع وجوه التطور،

تشاهد فيه العصر الحجري كما تشاهد فيه عصر الكهرباء والبخار، ولا تجد في مكانٍ

ما تجده في الهند من العوامل العظيمة التي تهيمن على تكوين الحضارات وتطورها.

وقد حاولتُ، مطبِّقًا المبادئ المشروحة في هذا الكتاب، أن أَحُلَّ مسألة بُحِث عنها منذ

زمن طويل، حاولتُ اكتناه أصل فنون الهند، وهذا الموضوع إذ كان معروفًا قليلًا إلى

الغاية، وإذ كان ينطوي على تحقيق طريف لأفكارنا في روح العروق، نرى تلخيصَ أهمِّ

خطوطه هنا. 1

لم تظهر الهند من ناحية الفنون إلا في زمن متأخر جدٍّا من التاريخ، ولا يكاد أقدم

آثارها؛ كأعمدة أشوكا ومعابد كارلي وبهارت وسانچي إلخ، يعود إلى ما هو أقدم من

التاريخ الميلادي بقرنين، وعندما أقيمت تلك الآثار كان معظم حضارات العالم القديم

المُسِنَّةِ؛ كحضارات مصر وفارس وآشور، قد أتمت دورها فأوغلت في ليل الانحطاط،

وكانت حضارة رومة وحدها تحل محل الحضارات الأخرى، وكان العالَم لا يعرف غير

رومة سيدًا.

واستطاعت الهند التي برزت من ظل التاريخ في زمن متأخر أن تقتبس، إذن، بعض

العناصرمن الحضارات السابقة، غير أن العزلة العميقة التي قيل إن الهند كانت تعيش

فيها على الدوام، وأن ما في آثارها من إبداع عجيب لا قرابةَ ظاهرةً بينه وبين جميع الآثار

التي ظهرت قبلها، مما أبعد، لطويلِ زمنٍ، كل افتراضلأي اقتباس أجنبي فيها.

وبجانب ما في آثار الهند الأولى من إبداع لا جدال فيه نرى هذه الآثار تَنِمُّ أيضًا

على تفوُّق في الصنع لم يجاوَزْ في القرون التالية. نعم، لا بد من أن تكون الآثار المذكورة

البالغة تلك الدرجةَ من الكمال قد سبقها تَحَسُّسٌ طويل في الظلام، بيد أنك لا تجد أي

رسم أو أي أثر منحطٍّ ينمُّ على ذلك التحسس.

وما حدث في بعض البقاع النائية الواقعة في شمال شبه جزيرة الهند الغربي من

اكتشاف جديد لبقايا من التماثيل والمباني التي تنمُّ على المؤثرات اليونانية الظاهرة حَمَلَ

العلماء المشتغلين بأمور الهند على القول بأن الهند استعارت فنونها من الأغارقة.

وما كان من تطبيق للمبادئ المعروضة آنفًا، ومن البحث العميق في معظم المباني

التي لا تزال قائمة في الهند، يسير بنا إلى حلٍّ معاكس لذلك معاكسة تامة، فعلى ما كان

للهند من صلة عابرة بالحضارة اليونانية نرى أن الهند لم تقتبس أيَّ فنٍّ من فنونها،

وأن الهند لم تكن قادرة على استعارة ذلك، فالعِرْقَانِ المتواجهان إذ كانا متباينين كثيرًا،

وكانت أفكارهما مختلفة اختلافًا كبيرًا، وكانت عبقريتهما الفنية متنافية تنافيًا شديدًا،

لم يكن أحدهما ليؤثِّر في الآخر.

ثم إن دراسة الآثار المنثورة في الهند تدل من فورها على عدم وجود أي نَسَب

بين فنونها وبين فنون الأغارقة، وبينما ترى جميع آثارنا الأوربية مُشْبَعَةً من العناصر

المقتبسة من الفن الإغريقي لا تجد في عناصرفنون الهند أيَّ عنصرمن ذلك الفن، ويُثْبِت

أبسط المباحث أننا تِجاه عروق مختلفة إلى الغاية، وأنه لم يوجد من العبقريات ما هو

متباين، ولا متنافر، كتباين العبقرية الإغريقية والعبقرية الهندوسية وتنافرهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت