فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 86

عليها كيان الأمم، وما يكتسبه المبدأ من صفة الشمول يوجب تمثيله دورًا مهمٍّا، ولم تكن

أدوار التاريخ الكبرى، كعصر أغسطس وعصر لويس الرابع عشر، إلا تلك الأدوار التي

تستقر فيها المبادئ وتهيمن فيها على أفكار الناس بعد خروجها من أدوار التحسس

والجدل، وهنالك تتألف من تلك المبادئ مناورُ ساطعةٌ، فيصطبغ كلُّ شيء تُنيره بصِبغة

متماثلة.

وإذا ما تمَّ النصر للمبدأ الجديد طَبَع أدقَّ عناصرالحضارة بطابعه، ولا بد للمبدأ

الجديد، لكي يُعْطِيَ جميعَ نتائجه، من أن يَنْفُذَ روحَ الجماعات، ويهبط المبدأ من الذُّرَى

الذهينة التي نبت فيها إلى الطبقة التي تليها فإلى التي ما بعدها، مشوَّهًا مُعَدَّلًا بلا

انقطاع، إلى أن يكتسب شكلًا يلائم الروح الشعبية التي ستَنْصُره، وهنالك يبدو المبدأ

متجمعًا في كلمات قليلة، وفي كلمة واحدة أحيانًا، مثيرًا صُوَرًا قوية مُغْرِية أو هائلة،

ومن ثمَّ مؤثرةً على الدوام، ومن تلك الكلمات: الجنة والنار في القرون الوسطى، ذانك

المقطعان القصيران المحتويان قدرة سحرية على الإجابة عن كل شيء، وعلى تفسير كل

شيء عند ذوي النفوس الساذجة. ومن تلك الكلمات: كلمة الاشتراكية، التي تمثل عند

العامل المعاصر إحدى تلك الصِّيغِ الساحرة الجامعة القادرة على قهر النفوس، وكلمة

الاشتراكية هذه تثير بحسب الجماعات التي تَنْفُذ فيها صُوَرًا متنوعة قوية على ما تنطوي

عليه من تذبذب وعدم استقرار.

وتُثِيرُ كلمة الاشتراكية في الفرنسي النظري صورةَ جَنَّة يصبح الناس متساوين

فيها، فينعمون بسعادة مثالية تحت إشراف الدولة المتصل؛ وتثير كلمة الاشتراكية في

العامل الألماني صورة حانةٍ دَخِنة تُقَدِّم فيها الحكومةُ لكل قادم أهرامًا عظيمة من

الأمعاء المحشوة لحمًا، ومن الكرنب المخمَّر، ومما لا يحصيه عدٌّ من دِنان الجعة مجانًا.

ومن المعلوم أن حالم الكرنب هذا أو حالم المساواة ذلك لم يشغل ذهنه بمعرفة المقدار

الحقيقي للأشياء التي تتقسم ولا بعدد المقتسمين، فمن خواص المبدأ أن يُفرض على

النفوس بقوة مطلقة لا يؤثر فيها أي اعتراضكان.

وإذا ما تحول المبدأ إلى مشاعر وغدا عقيدةً دام فوزه زمنًا طويلًا، وذهب كل عمل

يأتيه العقل في سبيل زعزعته أدراجَ الرياح. ومما لا مراء فيه أن المبدأ الجديد يعاني أيضًا

ما عاناه المبدأ الذي حل محله، فيَهْرَم ويميل إلى الزوال، غير أنه لا بد من أن يعاني قبل

اندثاره التامِّ أدوارًا من المَسْخِ والتحريف في عِدَّةِ أجيال، ولكبير وقت يظل المبدأ قبل أن

يموت بأسره جزءًا من المبادئ الموروثة المُسِنَّةِ التي نَصِفها بالأوهام، ولكن مع الاحترام،

وعلى ما لا يعود به المبدأ القديم غير كلمة أو صوت أو سراب تراه حائزًا لقدرة سحرية

يستمر بها على إخضاعنا لحكمه.

وهكذا يبقى تراث ما نرضاه بتقوى من مبادئ قديمة وآراء وعهود، ولا يقف أمام

أي برهان إذا ما أردنا الجدال فيه مدة ثانية. ولكن ما عدد الرجال القادرين على الجدال

في آرائهم الخاصة؟ ما أقلَّ تلك الآراء التي تظل قائمة بعد بحث سطحي!

والخير في عدم الإقدام على ذلك البحث المخيف، ومن حسن الحظ أن كنا غير

معرَّضين له، وإذا كانت روح النقد ملكة عالية نادرة إلى الغاية، وكانت روح التقليد

ملكة منتشرة جدٍّا يقبل معظم الأدمغة غير مجادِل جميعَ ما يسفر عنه الرأي وما تنقله

التربية من المبادئ المقررة.

وهكذا ترى للناس في كل جيل وعرق طائفة من الأفكار المتوسطة التي يتشابهون

بها تشابهًا عجيبًا بفعل الوِراثة والتربية والبيئة والعَدْوَى والرأي، تشابهًا تعرف به

الدور الذي عاشوا فيه بإنتاجهم الفني والفلسفي والأدبي بعد أن تثقل وطأة القرون

عليهم. أجل، لا يمكننا أن نقول إن بعضهم كان ينقل من بعضنقلًا مطلقًا، ولكن الذي

كان مشتركًا بينهم هو تماثلهم في طُرُز الإحساس والتفكير تماثلًا يؤدي إلى إنتاجات

متقاربة إلى الغاية بحكم الضرورة.

ولنا أن نفرح بذلك؛ وذلك لأن روح الأمة تتألف من شبكة التقاليد والمبادئ والمشاعر

والمعتقدات وطُرُز التفكير، وقد أبصرنا أن متانة هذه الروح تكون بنسبة قوة تلك

الشبكة، وتلك الشبكة وحدها بالحقيقة، ووحدها فقط، هي التي تُمسك الأمم، وتلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت