الشبكة لا تنفك من غير أن يؤدي ذلك إلى انحلال هذه الأمم في الحال، وتلك الشبكة هي
قوة الأمة الحقيقية وهي مولاها الحقيقي، ومما يُعرض في بعض الأحيان كون الملوك
الآسيويين طُغَاةً أدِلَّاؤهم أهواؤهم، وهذه الأهواء في الشرق هي بالعكس محصورة ضمن
حدود ضيقة ضِيقًا عجيبًا؛ ففي الشرق ترى شبكة التقاليد أقوى مما في أي بلد آخر،
وفي الشرق تُبصر أن المعتقدات الدينية المزعزعة كثيرًا عندنا محافظةٌ على سلطانها، وفي
الشرق تجد أشد المستبدين جبروتًا لا يصدم التقاليد والرأي لما يعرفة فيهما من قوة أشد
من قوته.
ويجد الرجل المتمدن العصري الحديث نفسه في دور من أدوار التاريخ النادرة
الخطرة التي يخسر فيها سلطانه ما هو أصلُ حضارته من المبادئ القديمة، وذلك من
غير أن تتكون فيه مبادئ جديدة، فيُباح الجدل فيه لهذا السبب، ولا بد من رجوع
الباحث إلى أدوار الحضارات القديمة، أو الرجوع إلى الوراء قرنين أو ثلاثة قرون ليتبين
ماذا كان نِيرُ العادة والرأي، وليُعرف الثمنُ الذي كان على المبدع الجريء أن يؤديه
إذا ما هاجم هاتين القوتين. وكان الأغارقة، الذين يعدهم بعضُ الجهلاء المُتَفَيْهِقِين من
الأحرار، خاضعين لنير الرأي والعادة خضوعًا وثيقًا، وكان كل إغريقي محاطًا بسور
من المعتقدات التي لا تُمَسُّ أبدًا، وكان كل إغريقي لا يفكر في الجدل حول الأفكار
المقرَّرة معانيًا إياها غير ثائر، ولم يعرف العالَم الإغريقي الحرية الدينية ولا حرية الحياة
الخاصة، ولا أي نوع من أنواع الحرية، حتى إن القانون الأثََنِيَّ لم يكن ليسمح للمواطن
بأن يعيش بعيدًا من المجالس، أو بألا يحتفل بأي عيد قومي احتفالًا دينيٍّا، وما كانت
حرية العالم القديم المزعومة إلا وجهًا تامٍّا غير شعوري لانقياد المواطن لمبادئ المدينة،
وما كان لمجتمع يتمتع أفراده بحرية الفكر والسَّيْر أن يدوم يومًا واحدًا في حال نزاع
عامة كالتي كانت تعيش فيها تلك الأمم، وتُبصر في كل زمن أن ابتداء عصر انحطاط
الآلهة والنُّظم والعقائد هو اليوم الذي تحتمل الجدال فيه.
وفي الحضارات الحديثة، حيث تجد المبادئ القديمة التي كانت أساسًا للعادة والرأي
قد تهدَّمت تقريبًا، تُبصر سلطانها على النفوس قد أصبح ضعيفًا إلى الغاية، وهذه
المبادئ انتهت إلى دور من البِلَى ما تغدو به من الأوهام، وتظل الفوضى سائدة للنفوس
ما لم يحلَّ مبدأ جديد محلَّ تلك المبادئ، ولهذه الفوضى وحدها يُسمح بالجدل، وما على
الكُتَّاب والمفكرين والفلاسفة إلا أن يشكروا للدور الحاضر، وأن يسرعوا إلى الاستفادة
منه؛ لأنهم لن يروا عودته ثانية. نعم، إنه دور انحطاط على ما يحتمل، ولكنه من أزمنة
التاريخ النادرة التي يكون التعبير عن الأفكار حرٍّا فيها، ولا يدوم هذا الدور طويلًا؛
فأحوال الحضارة الحديثة تسوق الأمم الأوربية إلى حال اجتماعية لا تحتمل الجدل ولا
الحرية، والحق أن العقائد الجديدة التي يلوح ظهورُها لا تستقر إلا بعدم قبولها أي
نوع من أنواع الجدل، وببلوغها من عدم التسامح ما بلغته العقائد التي سبقتها.
ولا يزال الرجل المعاصر يبحث عن المبادئ التي تَصلُح أساسًا للحالة الاجتماعية
القادمة، وهنالك الخطر الذي يحيق بها، وبيان الأمر أن تحولات المبادئ الأساسية هي
العناصر المهمة في تاريخ الأمم والقادرة على تغيير مصيرها، لا الثورات والحروب التي
يَمَّحي ما تؤدي إليه من تخريب بسرعة، وتلك التحولات لا تتم من غير أن يؤدي ذلك إلى
تحوُّل جميع عناصر الحضارة دفعة واحدة، فالثورات الحقيقية، وهي أخطر الثورات
على حياة الأمة، هي التي تَحدُث في أفكارها.
وليس انتحال أمة لمبدأ حديث خطرًا بذاته، بل الخطر فيما تقوم به الأمة من تجربة
لمبادئ متعاقبة قبل أن تجد منها ما تستطيع أن تقيم عليه بناءً اجتماعيٍّا جديدًا يقوم
مقام البناء الاجتماعي القديم، وليس خطأ المبدأ هو الذي يجعله خَطِرًا، وقد رأينا أن
المبادئ الدينية التي عشنا عليها حتى الآن خاطئة إلى الغاية، بل لأنه لا بد من القيام
بتجارب تُكرَّر لطويلِ زمنٍ حتى تعرف ملاءمة المبادئ الحديثة لاحتياجات المجتمعات
التي تعتنقها، ولا يُقَدَّرُ مدى نفع هذه المبادئ للجماعات إلا بالتجربة. نعم، لا احتياج
إلى أن يكون الباحث عالمًا نفسيٍّا كبيرًا أو عالمًا اقتصاديٍّا عظيمًا حتى يخبرنا بأن تطبيق
المبادئ الاشتراكية الحاضرة يسوق الأمم التي تقول بها إلى انحطاط حقير واستبداد