فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 86

مرير، ولكن كيف تُمْنَعُ الجماعات التي تستهويها تلك المبادئ من اعتناق الإنجيل الجديد

الذي بُشِّرَتْ به؟

ويدلنا التاريخ كثيرًا على ما تُكَلِّفُه من ثمنٍ تجربةُ المبادئ غير الملائمة لدور ما،

ولكن الإنسان لا يستنبط دروسه من التاريخ، ومن العبث أن حاول شارلمان تجديد

الإمبراطورية الرومانية؛ فقد كان تحقيق مبدأ الوحدة متعذرًا في ذلك الحين، فمات عمله

بموته كما مات عمل ناپليون، ومن العبث أن استنفد فليپ الثاني عبقريته وسلطان

إسپانية ذات الصَّوْلَةِ إذ ذاك في مكافحة روح البحث الحر التي كانت تنتشر في أوربة

باسم الپروتستانية، ولم تُسْفِرْ مساعيه كلها في مناهضة المبدأ الجديد عن سوى إلقاء

إسپانية في حال من الخراب والانحطاط لم تَنْهَضْ منها قطُّ، وفي فرنسة أدت مبادئ

متهوسٍ متوَّج مُشبَع من شعور أمته الدولي المصنوع الفاسد المستعصي إلى تسهيل

الوَحدة الألمانية والوَحدة الإيطالية، فكلَّفنا ذلك ولايتين كما كلَّفنا السلم إلى أمد طويل، وفي

أوربة أوجب المبدأ القائل: إن القوة في العدد، سَتْرَها بجنود مدججين بالسلاح وسَوْقَها

إلى إفلاس محتوم، وستأتي مبادئ الاشتراكيين في العمل ورأس المال وجَعْل المُلْك الخاص

مُلكًا للدولة إلخ، على الأمم التي كانت تحفظها الجيوش الضرورية الدائمة.

ويمكن ذكرُ مبدأ القوميات أيضًا بين المبادئ الموجِّهة التي يجب الخضوع لنفوذها

الخطر، وسوف يسوق تحقيقُه أوربةَ إلى أشد الحروبضررًا، وسوف يجر بالتتابع كثيرًا

من الدول الحديثة إلى الخراب والفوضى.

ولكن لم يُعطَ الرجال قدرة على وقف سَيْر المبادئ إذا ما نفذت في النفوس، وهنالك

يجب أن يتم تطورها، ويبدو المدافعون عنها في الغالب أولئك الذين يكونون ضحاياها

الأولى، وليست الغَنَمُ وحدها هي التي تتبع دليلها طائعة إلى المسلخ، فلنرْكعْ أمام سلطان

المبدأ، والمبدأ إذا ما بلغ دورًا من تطوره لم يوجَد برهان ولا بيان يتغلب عليه، والأمم لكي

تتخلص من ربقة أحد المبادئ تستلزم قرونًا كثيرة أو ثورات عنيفة، أو كليهما في بعض

الأحيان، ولا شيء أكثر من الأوهام التي ابتدعتها البشريةُ فذهبت ضحيتَها بالتتابع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت