لقد تبنت الجزائر بعد الاستقلال نموذجا تنمويا طموحا بغية بناء قاعدة صناعية ثقيلة معتمدة على الصناعات المصنعة، وقد اختارت المؤسسة العمومية كأداة لتنفيذ هذا النموذج، ولإتمام هذه السياسة قامت الجزائر باستثمارات ضخمة في كل من صناعة الحديد والصلب والصناعات الطاقوية والمحروقات والبيتروكيمياويات لما لها تأثير على باقي القطاعات لكن المشكل الكبير الذي واجهته في سبيل تحقيق هذا البرنامج التنموي الضخم هو عدم توفر رؤوس الأموال الداخلية بما يكفي لتغطية احتياجات هذه المشاريع، حيث كان المصدر الرئيسي المتوفر لتراكم رأس المال لديها هو قطاع المحروقات الذي يشكل 95% من الإيرادات المحصلة من الصادرات الإجمالية مما جعلها عرضة للصدمات الخارجية كما أثر على عملية التنمية وعلى اختيار شكل التمويل.
وهذا ما اضطرها إلى اللجوء إلى الاستدانة لتغطية تكاليف الاستثمارات والقيام بعمليات تأميم واسعة كانت تهدف في الأساس إلى تعبئة رؤوس الأموال المحلية.
ومع انخفاض أسعار البترول ابتداءً من سنة 1986 وعجز معظم المؤسسات الاقتصادية المنجزة عن تحقيق فائض اقتصادي وارتفاع حدة أزمة المديونية بالإضافة إلى زيادة متطلبات تموين السوق الوطنية لتلبية الحاجات الاستهلاكية لجأت الجزائر إلى القروض قصيرة الأجل، وبدأت ديونها بالتراكم السريع.
وخلال الفترة الممتدة من 1986 إلى 1989 تذبذبت مداخيل التصدير داخل نسبة تتراوح بين 8.5 - 10.5 مليار دولار بعد أن تجاوزت 15 مليار دولار في 1981 وازداد اللجوء إلى القروض الخارجية حتى قاربت 7 مليار دولار في نهاية الثمانينات وقد تزامنت المرحلة الجديدة لتراكم الديون مع تسارع وتيرة تسديد أصل الديون (16) .
ورغم هذا واصلت الجزائر تسديد مستحقاتها رافضة خيار إعادة الجدولة باعتباره يمس السيادة الوطنية، وبعد الانهيار الكبير الذي عرفه سوق المحروقات عام 1993 وارتفاع نسبة خدمة الدين ووصول الاحتياطات إلى قرابة الصفر قبلت الجزائر سياسة إعادة الجدولة مما دفعها إلى تبني سياسة تنموية جديدة بالانتقال إلى اقتصاد السوق وفتح المجال أمام الاستثمارات الخاصة للمساهمة في عملية النمو الاقتصادي وإعطاء أهمية للاستثمارات الأجنبية وذلك بصدور عدة قوانين (17) :
جاء هذا القانون ليعطي الحرية الكاملة للاستثمار الخاص سواء كان محليا أم أجنبيا، فهو حرّ في الدخول إلى أي مشروع استثماري تحت أي شكل أراد عدا بعض النشاطات الاستراتيجية الخاصة بالدولة، دون الحاجة إلى إجراءات كثيرة ومعقدة، إذ لا يتطلب الأمر نظريا سوى تصريح بالاستثمار لدى الوكالة