الفصل الأول
أسباب الأزمة الاقتصادية المعاصرة المتعلقة بالمراهنات والمقامرات
إن جذور الأزمة التي يعاني منها العالم اليوم بدأت في القطاع المالي، وتضخمت من خلاله، فالبداية كانت من التخفيض المصطنع لمعدلات الفائدة في مطلع القرن، الذي شجع على التوسع في الاقتراض دون وجود قيمة مضافة أو نمو في الإنتاجية، وكانت النتيجة فقاعة في سوق العقار، ورافق ذلك مبتكرات المشتقات المالية التي حيدت مخاطر الإقراض، فلم يعد المقرض يستشعر مسؤولية القرض، ويهتم بقدرة المدين على السداد، فنشأ عن ذلك الممارسات المستنكرة في استدراج العملاء وإغراقهم بالديون، أي إن الأزمة ابتدأت بالربا، وتطورت إلى الميسر، وأصبح أحدهما يغذي الآخر، لتنتهي بالكارثة.
فالمقامرة، مثلها مثل نظام الفائدة الربوية، تزيد الفجوة بين الالتزامات المالية والثروة الحقيقية، وكلما ازدادت أعداد المراهنين ازداد مجموع خسائر الخاسرين من جراء هبوط في السوق، وهذا ما حصل في الأزمة المالية الراهنة، فلقد اكتظت الأسواق المالية بتجارة المخاطر المبنية على الميسر والقمار، فأصبح لا يمكن التفريق بين المعاملات الحقيقية وبين المقامرة التي تتسم اقتصاديًا بأنها مباراة نتيجتها صفر، لأنها على المستوى الجزئي لطرفيها لا تولد قيمة، إذ إن ما يربحه طرف يساوي تماما ما يخسره الآخر، أما على مستوى الاقتصاد كله فإنها مباراة نتيجتها سالبة، بسبب ما تولده من حوافز ضارة اقتصاديا ذات مخاطر أخلاقية، فإذا بترنا الارتباط بين المخاطر وملكية الأصول، مالية كانت أو حقيقية، فقد المالكون الحافز للحفاظ على جودة أصولهم وتصرفوا بما يحقق لهم أعلى عائد، وفي الأزمة الحالية حيث أمكن للمؤسسات المالية التخلص من مخاطر أصولها - بفصل المخاطر عن الملكية - فقد جمحت إلى تحقيق أهداف أخرى - دون مراعاة للتدهور في نوعية الأصول - طمعًا في زيادة العائدات.
وتحولت السوق إلى ساحة للرهان، فلم يكن هناك ما يحد من نموها وتضخمها سوى استعداد الأطراف للمجازفة، وكما هو الشأن في الربا، فإن المراهنة لا تتطلب أكثر من اتفاق الطرفين على أن يدفع أحدهما للآخر مبلغا من المال حين وقوع الخطر مقابل رسوم محددة، فالتكلفة الابتدائية للرهان محدودة، ولذلك لا يوجد ما يعوق توسعه وتضاعفه.
والنتيجة من الميسر هي تضاعف الالتزامات والمديونيات بعيدا عن الثروة الحقيقية، لينشأ عن ذلك ما يسمى الهرم المقلوب، حيث ترتكز جبال شاهقة من الديون على قاعدة ضئيلة من