الصفحة 28 من 43

الدليل الأول: قوله تعالى"وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة" [البقرة:30] والخليفة في اللغة التي نزل بها القرآن هو: من يخلف غيره ويقوم مقامه (4) , فيكون"الخليفة"في الآية - وهو آدم عليه السلام وذريته - خلفاء عن الله في أرضه وعلى ماله , فهو الذي خلقه لهم واستخلفهم عنه فيه.

ونوقش هذا الدليل: بأنه مكون من مقدمة ونتيجة , أما المقدمة فنحن نسلِّم بها وهي أن الخلافة عن الغير تقتضي النيابة عنه والحلول مكانه , أما النتيجة وهي أن الإنسان يكون خليفة الله في أرضه فلا نُسلِّم بها لأن الخلافة عن الغير تكون إما بسبب موته , أو رحيله إلى مكان آخر , أو عجزه , والله سبحانه وتعالى حيٌ قيوم لا يموت ولا يغيب وهو قادر على كل شيء (5) .

وأجيب عن هذه المناقشة: أنه لا يلزم أن تكون الخلافة عن الغير بسبب من الأسباب المذكورة والتي هي منتفية عن الله عزَّ وجل بلا شك , ولكن الخلافة قد تكون بسبب التشريف , أي تشريف المستخلف وتكريمه وتقديمه على غيره (6) , وهذا ما ذكره الراغب الأصفهاني حيث قال أن الخلافة:"النيابة عن الغير , إما لغيبة المنوب , وإما لموته , وإما لعجزه , وإما لتشريف المستخلف (7) "فاستخلاف آدم وبنيه من بعده من هذا الباب , والتكريم متحقق في بني آدم , كما قال تعالى"ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلًا" [الإسراء:70]

(2) أنظر: الجامع لأحكام القرآن , لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي 1/ 363 , دار إحياء التراث العربي - بيروت 1405 هـ.

(3) منهم الإمام البغوي حيث قال في تفسيره بعد ذكره للأقوال في المسألة: والصحيح أنه خليفة الله في أرضه لإقامة أحكامه وتنفيذ قضاياه. تفسير البغوي 1/ 31 , وهذا القول هو ما يراه د. أحمد حسن فرحات في كتابه - الخلافة في الأرض صـ 14 دار عمَّار - الأردن - الطبعة الأولى 1423 هـ.

(4) أنظر: تفسير البيضاوي 1/ 51.

(5) أنظر الفتاوي الكبرى 35/ 45.

(6) أنظر: الخلافة في الأرض د. أحمد حسن فرحات صـ 14.

(7) المفردات في غريب القرآن الكريم للراغب الأصفهاني (ت 502 هـ) صـ 156.

ويناقش هذا الجواب: بأن النزاع ليس في سبب هذا الاستخلاف هل هو التشريف أو غيره , وإنما النزاع فيما تقتضيه الخلافة عن الغير: حيث أنها تقتضي الحلول محله والقيام بالأمر نيابة عنه , ومما يعني عدم وجوده , وهذا منتفٍ عن الله عزَّ وجل كما قال عن نفسه"وهو معكم أينما كنتم" (1) [الحديد:4]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت