في الأرض فيفسد فيها ويسفك الدماء مما يدل على أن المقصود بالخليفة: الذي يخلف من كان قبله من الأمم. (1)
وقد وردت آثار متعددة تدل على أن الأرض كانت مسكونة قبل بني آدم , منها ما رواه ابن جرير الطبري بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أول من سكن الأرض الجن فأفسدوا فيها وسفكوا فيها الدماء وقتل بعضهم بعضًا فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة , فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقوهم بجزائر البحور وأطراف الجبال , ثم خلق الله آدم فأسكنه إياها , فلذلك قال"إني جاعل في الأرض خليفة" (2) .
ونوقش هذا الدليل:
بأن هذه الروايات التي وردت في سكنى الأرض فيها نظر حيث لم يصح فيها شيء (3) فلا حجة فيها.
الدليل الثاني: أن الخليفة في الآية إما أن يكون عن الله , أو عن من سكن الأرض قبل بني آدم , أما التفسير الأول فهو منتفٍ عن الله عزَّ وجلَّ لأنه لا خليفة له فهو حيٌ قيوم لا يموت ولا يغيب , ولا كفؤ له , كما قال عن نفسه"ولم يكن له كفوًا أحد" [الإخلاص:4] ,فلم يبق إلا التفسير الثاني وهو أن الخلافة عن من كان في الأرض قبل خلق آدم عليه السلام.
ونوقش هذا الدليل: لا يلزم من كون الإنسان خليفة عن الله جلَّ وعلا في أرضه عدم وجوده فالاستخلاف قد يكون لتشريف المستخلَف مع وجود المستخلِف (4) .
ويُجاب عن ذلك: أن معنى الخلافة في اللغة: الحلول محل المستخلف عنه مما يقتضي عدم وجوده , والله جلَّ وعلا مستوٍ على عرشه عالم بما يفعله عباده يقدِّر ما يشاء كما يشاء فلا أحد خليفة عنه.
(1) أنظر المرجع السابق.
(2) أنظر: تفسير الطبري 1/ 236 وقد ذكر روايات أخرى غير هذا الأثر , وانظر: تفسير البغوي 1/ 31.
(3) أنظر: الخلافة في الأرض د. أحمد حسن فرحات صـ 11.
(4) المرجع السابق صـ 14.
الدليل الثالث: أن الله جلَّ وعلا هو خليفة غيره كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث دعاء السفر"اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل , اللهم أصحبنا في سفرنا واخلفنا في أهلنا" (1) , أما غيره فلا يكون خليفة له (2) .