الصفحة 21 من 33

ثم إن المراحل التي ذكرها لا يصح أن تقسم باعتبار زماني نحدد من خلاله ترتيب نزول السور والآيات. ذلك أن هذه الموضوعات التي حددها في هذه المراحل متداخلة متزامنة.

بل لو نظرنا بدقة فإننا نرى الجابري قد جعل المرحلة الأولى هي مرحلة النبوة والربوبية والإلوهية، وأن السور التي نزلت في هذه المرحلة تخدم هذه الموضوعات، وأن المرحلة الثانية هي مرحلة البعث والجزاء ومشاهد القيامة، وأن السور التي نزلت في هذه المرحلة تخدم هذه الموضوعات، وبناء على هذا التعميم يحدد ترتيب النزول.

وإذا أمعنا النظر وجدناه يذكر مثلا سورة (التكوير، العاديات، التكاثر) ولا أظن أي قارئ لهذه السور ينكر أن موضوعها في البعث والجزاء وكذلك بعض مشاهد القيامة فكيف يتسنى لنا بعد ذلك فهم هذا التقسيم وجعله حكما على ترتيب النزول، أو جعل ترتيب السور حكما على موضوع هذه المراحل ومضمونها؟ فمن الواضح أنه يعيد ترتيب السور في نزولها حسب ما تقتضيه المراحل التي سجلها.

وإذا كان هذا بالنظر إلى التقسيم وما عليه من اعتراضات منهجية وعلمية يترتب عليه ضرورة إعادة النظر في اعتماده ترتيبا خاصا به لنزول السور.

فإن عودة سريعة إلى كلام الجابري في كتابه"مدخل إلى القرآن الكريم"توقفنا أيضا على تناقض صريح في اعتماده قيمة علمية وجدوى عملية للتعامل مع النص القرآني وفق ترتيب النزول، وهو يرى أن قراءة القرآن الكريم وفهمه حسب ترتيب نزوله لا يأتي بكثير فائدة،

وعند مناقشته لمسألة ربط فهمنا القرآن بوقائع السيرة يقول:"ولما كان الأمر كما وصفنا، فما الفائدة إذًا في الخوض في مسألة ترتيب النزول؟" [1] .

(1) - الجابري، المدخل إلى القرآن الكريم، ص 254.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت