نتائج البحث عن (سَبَعَ ) 50 نتيجة

السّبع المثاني:[في الانكليزية] First chapter of the Koran ،the first seven chapters of the Koran ،the Koran [ في الفرنسية] Premier chapitre du Coran ،les sept Premiers chapitres du Coran ،le Coran هي سورة الفاتحة وسيأتي وجه تسميتها في لفظ السورة. وقيل هي عبارة عن سبع سور وهي من الفاتحة إلى الأنفال. وقيل هي اسم القرآن. وعند أهل السلوك يشار بسبع المثاني إلى حدّ المحبوب كذا في كشف اللغات.والسّبع الطوال ستعرف معناه في لفظ السورة.
سَبْع الليل
الشجاع القوي الشديد.
سبع عُيُونالجذر: ع ي ن

مثال: في تلك المنطقة سبع عيون للماءالرأي: مرفوضةالسبب: لاستعمال جمع الكثرة تمييزًا لأدنى العدد.

الصواب والرتبة: -في تلك المنطقة سبع عُيُون للماء [فصيحة] التعليق: أوجب كثير من النحويين أن يكون مميز الثلاثة إلى العشرة جمعًا مُكسَّرًا من أبنية القلَّة، ولايكون من أبنية الكثرة إلاَّ فيما أُهمل بناء القلة فيه، كـ «رِجال»، ولكن مجمع اللغة المصري لم يشترط ذلك، حيث أقر التعاقب (التبادل) بين جمعي القلة والكثرة، معتمدًا في ذلك على عدة نصوص واردة عن بعض كبار اللغويين القدماء كسيبويه والزمخشري وابن يعيش وابن مالك وصاحب المصباح، ومنها قول سيبويه: «اعلم أن لأدنى العدد أبنية هي مختصة به وهي له في الأصل وربما شرَكه فيها الأكثر، كما أنَّ الأدنى ربما شارك الأكثر»، وقول الزمخشري: «قد يستعار جمع الكثرة لموضع جمع القلة» .. إلى غير ذلك من النصوص. والملاحظ أنَّ النحاة لم يتفقوا على مفهوم جمع الكثرة، فقد رأى بعضهم أنه يدلّ على ما فوق العشرة، ورأى بعضٌ آخر أنه يكون من الثلاثة إلى ما لانهاية، ومن ثم يكون الخلاف بينه وبين جمع القلة من جهة النهاية فقط؛ ولذا يتضح فصاحة الاستعمال المرفوض، وهو ما أقره الاستعمال القرآني في: {{ثَلاثَةَ قُرُوءٍ}} البقرة/228، مع وجود الجمعين «أقراء»، و «أقرؤ» في اللغة.
سبع قراريطالجذر: س ب ع

مثال: وَرِث عن أبيه سَبْع قراريطالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لمخالفة قاعدة المخالفة بين العدد المفرد والمعدود في التذكير والتأنيث.

الصواب والرتبة: -ورث عن أبيه سبعة قراريط [فصيحة] التعليق: الأعداد من (3 - 10) تخالف المعدود تذكيرًا وتأنيثًا بشرط أن يكون المعدود مذكورًا في الكلام، وأن يكون متأخرًا عن لفظ العدد.
سَبْع مِئةالجذر: س ب ع

مثال: زار المعرض سبع مئة زائرالرأي: مرفوضةالسبب: لفصل العدد عن المئة.

الصواب والرتبة: -زار المعرض سبع مئة زائر [صحيحة]-زار المعرض سبعمائة زائر [صحيحة] التعليق: أقر مجمع اللغة المصري جواز فصل الأعداد من ثلاث إلى تسع عن «مئة».
سَبْع موضوعاتالجذر: س ب ع

مثال: كَتَب سبْع موضوعات جديدةالرأي: مرفوضة عند الأكثرينالسبب: لخروجها على قاعدة الأعداد في التذكير والتأنيث.

الصواب والرتبة: -كتب سبعة موضوعات جديدة [فصيحة]-كتب سبْع موضوعات جديدة [صحيحة] التعليق: الفصيح في المثال تأنيث العدد «سبعة»؛ لأن المعدود «موضوعات» وإن كان مجموعًا جمع مؤنث فإن مفرده مذكر، ويمكن تصحيح المثال المرفوض استنادًا إلى ما أجازه بعض النحاة من صحة مراعاة الجمع بغض النظر عن جنس المفرد بالنسبة للمعدود المجموع جمع مؤنث سالمًا.
مُدَّة سبع ساعاتالجذر: م د د

مثال: انْتَظَرته مدة سبع ساعاتالرأي: مرفوضةالسبب: لتوالي ما يَدُلُّ على الزمن.

الصواب والرتبة: -انتظرته سبعَ ساعات [فصيحة]-انتظرته مدةَ سبع ساعات [فصيحة] التعليق: «المُدَّةُ» مقدارٌ من الزمن يقع على القليل والكثير، ولا حَرَج في أن يليه ما يَدُلُّ على الزمن المحدَّد.

بحر الحقائق والمعاني، في تفسير السبع المثاني

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

بحر الحقائق والمعاني، في تفسير السبع المثاني
لنجم الدين، أبي بكر: عبد الله بن محمد الأزدي، الشهير: بداية.
المتوفى: سنة...

تاج المعاني، في تفسير السبع المثاني

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

تاج المعاني، في تفسير السبع المثاني
للشيخ، الإمام، أبي نصر: منصور بن سعيد بن أحمد ابن الحسن.
وهو كبير.
في مجلدات.
أوله: (أحق ما صرفت إليه الرغبة، وجردت فيه العناية... الخ).
ذكر: ديباجة طويلة، بليغة.
ثم ذكر: أن القائد: أبا علي يحكم، كان راغبا في كتاب الله - سبحانه وتعالى -، مولعا، فأشار إلى تأليفه.
فألفه: سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة.
وقدم: مقدمة في الحروف، والإعراب.
ثم شرع: في المقصود.
وأورد فيه: جميع ما في التفسير، بعبارات لطيفة، وألفاظ فصيحة، تدل على مهارته في الأدب.
تفسير: السبع الطوال
لأبي منصور: محمد بن أحمد بن طلحة بن الأزهري الهروي.
المتوفى: سنة 370، سبعين وثلاثمائة.
(سَبَعَ)السِّينُ وَالْبَاءُ وَالْعَيْنُ أَصْلَانِ مُطَّرِدَانِ صَحِيحَانِ: أَحَدُهُمَا فِي الْعَدَدِ، وَالْآخَرُ شَيْءٌ مِنَ الْوُحُوشِ.

فَالْأَوَّلُ السَّبْعَةُ. وَالسُّبْعُ: جُزْءٌ مِنْ سَبْعَةٍ. وَيُقَالُ سَبَعْتُ الْقَوْمَ أَسْبَعُهُمْ إِذَا أَخَذْتَ سُبْعَ أَمْوَالِهِمْ أَوْ كُنْتَ لَهُمْ سَابِعًا. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: هُوَ سُبَاعِيُّ الْبَدَنِ، إِذَا كَانَ تَامَّ الْبَدَنِ. وَالسِّبْعُ: ظَمْءٌ مِنْ أَظْمَاءِ الْإِبِلِ، وَهُوَ لِعَدَدٍ مَعْلُومٍ عِنْدَهُمْ. وَأَمَّا الْآخَرُ فَالسَّبُعُ وَاحِدٌ مِنَ السِّبَاعِ. وَأَرْضٌ مَسْبَعَةٌ، إِذَا كَثُرَ سِبَاعُهَا. وَمِنَ الْبَابِ سَبَعْتُهُ، إِذَا وَقَعْتَ فِيهِ، كَأَنَّهُ شَبَّهَ نَفْسَهُ بِسَبُعٍ فِي ضَرَرِهِ وَعَضِّهِ. وَأَسْبَعْتُهُ: أَطْعَمْتُهُ السَّبْعَ. وَسَبَّعَتِ الذِّئَابُ الْغَنَمَ، إِذَا فَرَسَتْهَا وَأَكَلَتْهَا. فَأَمَّا قَوْلُ أَبِي ذُؤَيْبٍ:

صَخِبُ الشَّوَارِبِ لَا يَزَالُ كَأَنَّهُ...عَبْدٌ لِآلِ أَبِي رَبِيعَةَ مُسْبَعُ

فَفِيهِ أَقَاوِيلُ: أَحَدُهُمَا الْمُتْرَفُ، كَأَنَّهُ عَبْدٌ مُتْرَفٌ، لَهُ مَا يَتَمَتَّعُ بِهِ، فَهُوَ دَائِمُالنَّشَاطِ. وَيُقَالُ إِنَّهُ الرَّاعِي، وَيُقَالُ هُوَ الَّذِي تَمُوتُ أُمُّهُ فَيَتَوَلَّى إِرْضَاعَهُ غَيْرُهَا. وَيُقَالُ الْمُسْبَعُ مَنْ لَمْ يَكُنْ لِرِشْدَةٍ. وَيُقَالُ هُوَ الرَّاعِي الَّذِي أَغَارَتِ السِّبَاعُ عَلَى غَنَمِهِ فَهُوَ يَصِيحُ بِالْكِلَابِ وَالسِّبَاعِ. وَيُقَالُ هُوَ الَّذِي هُوَ عَبْدٌ إِلَى سَبْعَةِ آبَاءٍ. وَيُقَالُ هُوَ الَّذِي وُلِدَ لِسَبْعَةِ أَشْهُرٍ. وَيُقَالُ الْمُسْبَعُ: الْمُهْمَلُ. وَتَقُولُ الْعَرَبُ: لَأَفْعَلَنَّ بِهِ فِعْلَ سَبْعَةٍ ; يُرِيدُونَ بِهِ الْمُبَالَغَةَ فِي الشَّرِّ. وَيُقَالُ أَرَادَ بِالسَّبْعَةِ اللَّبُؤَةَ، أَرَادَ سَبُعَةً فَخَفَّفَ.

5945- أبو السبع الزرقي

أسد الغابة في معرفة الصحابة

5945- أبو السبع الزرقي
ي: أبو السبع الزرقي أنصاري.
لَهُ صحبة، قتل يوم أحد شهيدا.
اسمه ذَكْوَان بن عبد قيس.
(1843) أخبرنا أبو جَعْفَر، بإسناده، عن يونس، عن ابن إسحاق، فيمن قتل يوم أحد من بني زريق بن عَامِر: ذَكْوَان بن عبد قيس، وقد تقدم ذكره فِي ذَكْوَان.
أخرجه أبو عمر

جنيد بن سبع أبو جمعة

الإصابة في تمييز الصحابة

في الكنى، وفي اسمه واسم أبيه اختلاف.
قال ابن حبّان: له صحبة. وقال أبو عمر: قيل إنه هو العلاء بن الحضرميّ.
قلت: وفيه نظر، فقد فرق بينهما البخاري.
وقال في ابن الحضرميّ: روى عنه السّائب بن يزيد. وقال في ابن سبع «1» : سمع منه السائب بن يزيد [فعله] «2» .

جنيد بن سبع أبو جمعة

الإصابة في تمييز الصحابة

في الكنى، وفي اسمه واسم أبيه اختلاف.
قال ابن حبّان: له صحبة. وقال أبو عمر: قيل إنه هو العلاء بن الحضرميّ.
قلت: وفيه نظر، فقد فرق بينهما البخاري.
وقال في ابن الحضرميّ: روى عنه السّائب بن يزيد. وقال في ابن سبع «1» : سمع منه السائب بن يزيد [فعله] «2» .
أبو الغادية «5» .
سماه ابن حبّان، والمستغفريّ، والمحفوظ أن اسمه يسار- بالتحتانية المثناة.
: أبو الغادية الجهنيّ- ويقال المزني. يأتي في الكنى.

أبو السبع بن عبد قيس الأنصاري

الإصابة في تمييز الصحابة

: شهد بدرا، واسمه ذكوان- تقدم.

‏<br> يسار بْن سبع، أَبُو غادية الجهني.

الاستيعاب في معرفة الأصحاب


ويقال المزني قَالَ العقيلي: وَهُوَ أصح.

قَالَ أَبُو عمر: هُوَ مشهور بكنيته. واختلف فِي اسمه واسم أبيه. قيل:

اسمه مسلم. وقيل: اسمه يسار بن سبع. وقيل: يسار بن أريهر. يقال:

إنه قاتل عمار. سكن واسط، وَكَانَ يفرط فِي حب عُثْمَان. وقد ذكرناه فِي الكنى بأكثر من هَذَا.

هي سور: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس.

والطوال جمع طولى، مؤنث أطول.

وجاء في الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من حديث واثلة قوله: (أعطيت مكان التوراة السبع الطوال، وأعطيت مكان الزبور المائتين، وأعطيت مكان الإنجيل المثاني، وفضلت بالمفصل).

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: من أخذ السبع فهو حبر.


أولا: سورة الفاتحة

عن أبي سعيد بن المعلى أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال له: ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد.

فذهب ليخرج فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

«الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته».

وسميت الفاتحة بالسبع المثاني لأنها:

1 - تثنى وتكرر في كل ركعة.

2 - أو لأنها نزلت بمكة ثم ثنيت فنزلت بالمدينة.

3 - أو لأن الله عز وجل استثناها لهذه الأمة وادّخرها لها وخصها بها، والله أعلم.



ثانيا: السور السبع الطوال

وسميت هذه السور مثاني لأنها كررت القصص والمواعظ والوعد والوعيد.


هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي.

(انظر كلّا في بابه).

ومما ينبغي التنبه له وعدم إغفاله أن نسبة قراءات القرآن الكريم إلى هؤلاء الأئمة الأعلام نسبة اعتناء وقراءة وإقراء لا نسبة اختراع وابتداع، فالقرآن الكريم كلام الله

سبحانه الموحى به إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، والقراء كانوا يروون قراءة النبيّ وفق ما نقله الصحابة إلى من بعدهم من التابعين.

أئمة القراءة غير محصورين في هؤلاء السبعة ولا العشر، بل قرّاء القرآن المهرة يخطئهم العد، أما هؤلاء السبعة ففي بداية القرن الرابع الهجري قام باختيارهم أبو بكر ابن مجاهد، وسبب اختياره لهم أنهم كانوا المبرزين في زمانهم قراءة وإقراء، مع الضبط التام والعدالة البيّنة، مع طول أزمنتهم في القراءة والإقراء.

وقد حرص ابن مجاهد في اختياره لهؤلاء السبعة على استيعاب الأمصار الخمسة التي أرسلت إليها المصاحف أيام عثمان، فاختار من البصرة: أبا عمرو، ومن الشام: ابن عامر، ومن المدينة: نافعا، ومن مكة: ابن كثير، ومن الكوفة: عاصما وحمزة والكسائي.

وقد كانت غاية ابن مجاهد من اختيار هؤلاء السبعة الحد من حركة اختيار القراءات، والتي شاعت في زمانه. وبذا يكون ابن مجاهد أول من سبع السبعة، ومن ثم تبعه الناس على ذلك، حتى استقرت هذه القراءات السبع في الأمصار الإسلامية كلها، وتلقاها الناس بالقبول، ونقلتها الأمة نقل تواتر.

ومما هو مقرر عند العلماء كافة أن هذه القراءات السبع هي بعض الأحرف السبعة لا كلّها.

-سنة سبع عشرة
يقال: كانت فيها وقعة جلولاء المذكورة.
وفيها خرج عمر رضي الله عنه إلى سَرغ، واستخلف على المدينة زيد بْن ثابت، فوجد الطاعون بالشام، فرجع لمّا حدّثه عبد الرحمن بْن عوف عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أمر الطاعون.
وفيها زاد عُمَر فِي مسجد النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعمله كما كان في زمان النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وفيها كَانَ القحط بالحجاز، وسمي عام الرَّمَادة، واستسقى عُمَر للناس بالعباس عم النّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وفيها كتب عُمَر إلى أبي موسى الأشعري بإمرة البّصْرة، وبأن يسير إلى كُوَر الأهواز، فسار واستخلف على البصرة عمران بْن حُصَيْن، فافتتح أَبُو موسى الأهوازَ صلحًا وَعْنوةً، فوظَّف عُمَر عليها عشرة آلاف ألف دِرْهم وأربعمائة ألف، وجهد زياد في إمرته أن يخلص العَنْوة من الصُّلح فما قدِر.
قَالَ خليفة: وفيها شهِدَ أَبُو بكرة ونافع ابنا الحارث، وشبل بْن مَعَبد وزياد على المُغيرة بالِّزنَى، ثُمَّ نكل بعضهم، فعزله عُمَر عَنِ البصرة وولاها أبا موسى.
وقال خليفة: حدثنا ريحان بن عصمة، حدثنا عُمَر بْن مرزوق، عَنْ أبي فَرْقَد قَالَ: كنّا مع أبي موسى الأشعري بالأهواز وعلى خيله تجافيف الدّيباج. -[98]-
وفيها تزوج عُمَر بأم كلثوم بنت فاطمة الزهراء، وأصدقها أربعين ألف درهم فيما قيل.
وفيها تُوُفِّيَ جماعة، الأصحّ أنّهم تُوُفُّوا قبل هذه السنة وبعدها.
فَتُوُفِّيَ عُتْبَة بْن غَزوان رضي الله عنه في قول سعيد بن عفير ورواية الواقِديّ.
وتُوُفِّيَ فيها الحارث بْن هشام، وإسماعيل بْن عمرو في قول ابن عفير.
وفي قوله أيضًا: شُرحبيل بْن حسنة، ويزيد بْن أبي سُفيان بْن حرب.
وفي قول هشام ابن الكلبيّ، وابن عُفَير: تُوُفِّيَ أَبُو عبيدة بْن الجراح.
وَقَالَ أَبُو مُسْهِر: قرأت في كتاب يزيد بْن عبيدة: تُوُفى أَبُو عبيدة ومعاذ بْن جبل سَنَة سبع عشرة.
-سَنَة سبْعٍ وَعِشرْين
فيها غزا معاوية قُبْرُسَ فركب البحر بالجيوش، وكان معه عُبادة بْن الصامت، وزوجة عبادة أم حرام (سوى ت) بنت مِلْحانِ الأنصاريّة خالة أنَس، فصُرعت عَنْ بغلتها فماتت شهيدة رحمها الله، وكان النّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْشاها ويقيل عندها، وبَشَّرَها بالشَّهادة، فقبْرُها بقُبْرس، يقولون: هذا قبر المرأة الصالحة.
روت عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. رَوَى عنها أَنْس بْن مالك، وعُمَيْر بْن الأسود العَنْسيّ، وَيَعْلَى بن شداد بن أوْس، وغيرهم.
وَقَالَ داود بْن أبي هند: صالح عثمان بْن أبي العاص وأبو موسى سنة سبعٍ وعشرين أهلَ أرَّجَان على ألْفَيّ ألف ومائتي ألف، وصالح أهل دارابْجِرْد على ألف ألف وثمانين ألفًا.
وَقَالَ خليفة: فيها عزل عثمانُ عَنْ مصر عَمْرًا وولّى عليها عبدَ الله بْن سعد، فغزا إفريقية ومعه عبد الله بْن عُمَر بْن الخطاب، وَعَبْدِ اللَّهِ بْن عَمْرِو بْن الْعَاصِ، وَعَبْدِ الله بْن الزُّبَيْر، فالتقى هو وجُرْجير بسُبَيْطِلة على يومين من القيروان، وكان جُرْجير في مائتي ألف مقاتل، وقيل: في مائةٍ وعشرين ألفًا، وكان المسلمون في عشرين ألفًا.
قَالَ مُصْعَبُ بن عبد الله: حدثنا أَبِي، وَالزُّبَيْرُ بْنُ خُبَيْبٍ، قَالا: قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: هَجَمَ عَلَيْنَا جُرْجير فِي مُعَسْكَرِنَا فِي عِشْرِينَ وَمِائَةِ أَلْفٍ، فَأَحَاطُوا بِنَا وَنَحْنُ فِي عِشْرِينَ أَلْفًا. وَاخْتَلَفَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، فَدَخَلَ فُسْطَاطًا لَهُ فَخَلا فِيهِ، وَرَأَيْتُ أَنَا غرَّةً مِنْ جُرجير بَصُرْتُ به خلف عساكره على برذون أشهب معه جَارِيَتَانِ تُظَلِّلانِ عَلَيْهِ بِرِيشِ الطَّوَاوِيسِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ جُنْدِهِ أَرْضٌ بَيْضَاءَ لَيْسَ بِهَا أَحَدٌ، فَخَرَجْتُ إِلَى ابْنِ أَبِي سَرْحٍ فَنَدَبَ لِي -[177]- النَّاسَ، فَاخْتَرْتُ مِنْهُمْ ثَلاثِينَ فَارِسًا وَقُلْتُ لِسَائِرِهِمْ: الْبثوا عَلَى مَصَافِّكُمْ، وَحملت فِي الْوَجْهِ الَّذِي رَأَيْتُ فِيهِ جُرْجير، وَقُلْتُ لأَصْحَابِي: احْمُوا لِي ظَهْرِي، فَوَاللَّهِ مَا نشبتُ أنْ خَرَقْتُ الصَّفَ إِلَيْهِ فَخَرَجْتُ صَامِدًا لَهُ، وَمَا يَحْسِبُ هُوَ ولا أصحابه إلا أني رسول إليه، حتى دَنَوْتُ مِنْهُ فَعَرَفَ الشَّرَّ، فَوَثَبَ عَلَى بِرْذَوْنِهِ وولى مبادرا، فَأَدْرَكْتُهُ ثُمَّ طَعَنْتُهُ، فَسَقَطَ، ثُمَّ دَفَفْتُ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ، وَنَصَبْتُ رَأْسَهُ عَلَى رُمْحٍ وَكَبَّرْتُ، وَحَمَلَ الْمُسْلِمُونَ، فَارْفَضَّ أَصْحَابُه مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَرَكِبْنَا أكتافهم.
وقال خليفة: حدثنا من سمع ابن لهيعة يقول: حدثنا أبو الأسود، قال: حَدَّثَنِي أَبُو إِدْرِيسَ أَنَّهُ غَزَا مَعَ عَبْدِ الله بن سعد إِفْرِيقِيَةَ فَافْتَتَحَهَا، فَأَصَابَ كُلَّ إِنْسَانٍ أَلْفَ دِينَارٍ.
وَقَالَ غيره: سَبَوْا وغنِمُوا، فبلغ سهمُ الفارس ثلاثةَ آلاف دينار، وفتح الله إفريقية سَهْلَها وجَبَلَها، ثمّ اجتمعوا على الإسلام وحسُنَتْ طاعتُهُم.
وقسّم ابن أبي سَرْح مَا أفاء الله عليهم وأخذ خُمْسَ الخُمْس بأمر عثمان، وبعث إليه بأربعة أخماسه، وضرب فُسْطاطًا في موضِع القَيْرَوان، ووفَّدوا وفدًا، فشكوا عبد الله فيما أخذ، فَقَالَ: أنا نَفَّلْتُهُ، وذلك إليكم الآن، فإنْ رضِيتُم فقد جاز، وإنْ سَخِطْتم فهو رَدّ، قالوا: إنّا نَسْخَطُه، قَالَ: فهو رَدّ، وكتب إلى عبد الله بردّ ذلك واستصلاحهم. قالوا: فاعْزلْه عنّا. فكتب إليه أن استخِلفْ على إفريقية رجُلًا ترْضَاه واقسم مَا نَفَّلْتُكَ فإنَّهم قد سخِطُوا، فرجع عبد الله بْن أبي سرْح إلى مصر، وقد فتح الله إفريقية، فما زال أهلُها أسْمَعَ النّاس وأطْوَعَهم إلى زمان هشام بْن عبد الملك.
وروى سيف بْن عُمَر، عَنْ أشياخه، أنّ عثمان أرسل عبد الله بْن نافع بن الحُصَين، وعبد الله بْن نافع الفِهْرِيّ من فَوْرِهما ذلك إلى الأندلس، فأتياها من قِبَل البحر، وكتب عثمان إلى من انتدب إلى الأندلس: أمّا بعد فإنّ القُسْطَنْطِينية إنّما تُفْتَح من قِبَل الأندلس، وإنّكم إن افتتحتموها كنتم -[178]- شُرَكاء في فتحها في الأجر، والسلام. فعن كعب قَالَ: يعبر البحر إلى الأندلس أقوامٌ يفتحونها يُعْرَفون بنورهم يوم القيامة. قَالَ: فخرجوا إليها فأتَوها من بَرِّها وبحرها، ففتحها الله على المُسْلِمين، وزاد في سلطان المُسْلِمين مثل إفريقية. ولم يزل أمرُ الأندلس كأمر إفريقية، حتى أمر هشام فمنع البَرْبَرَ أرضَهم.
ولما نزع عثمان عَمْرًا عَنْ مصر غضب وحقد على عثمان، فوجّه عبد الله بْن سعد فأمره أن يمضي إلى إفريقية، وندب عثمانُ النَّاس معه إلى إفريقية، فخرج إليها في عشرة آلاف، وصالح ابن سعد أهل إفريقية على ألفي ألف دينار وخمسمائة ألف دينار. وبعث ملك الروم من قسطنطينية أن يؤخذ من أهل إفريقية ثلاثمائة قِنْطار ذَهَبًا، كما أخذ منهم عبد الله بْن سعد، فقالوا: مَا عندنا مالٌ نعطيه، وما كان بأيدينا فقد افتدينا به، فأمّا الملك فإنه سيّدنا فليأخُذْ مَا كان له عندنا من جائزة كما كنا نعطيه كلَّ عام، فلمّا رأى ذلك منهم الرسول أمر بحبسهم، فبعثوا إلى قومٍ من أصحابهم فقدِموا عليهم فكسروا السجن وخرجوا.
وعن يزيد بْن أبي حبيب، قَالَ: كتب عبد الله بْن سعد إلى عثمان يَقُولُ: إنّ عمرو بْن العاص كسر الخراج، وكتب عَمْرو: إن عَبْد الله بن سَعْد أفسد علي مكيدة الحرب. فكتب عثمان إلى عمرو: انصرف وول عَبْد الله الخراج والجُنْد، فقدِم عمرو مُغْضبًا، فدخل على عثمان وعليه جُبَّةٌ له يَمانيَّة مَحْشُوَّة قُطْنًا، فَقَالَ له عثمان: مَا حَشْوُ جُبَّتك؟ قَالَ: عمرو. قَالَ: قد علمتُ أنّ حَشْوَها عَمْرو، ولم أرد هذا، إنّما سألتك أقُطْنٌ هو أم غيره؟
وبعث عبد الله بْن سعد إلى عثمان مالًا من مصر وحشد فيه، فدخل عمرو، فَقَالَ عثمان: هل تعلم أنّ تلك اللّقاح درّت بعدك؟ قَالَ عمرو: إن فصالها هَلَكَتْ.
وفيها حجّ عثمان بالناس.
-سَنَة سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ
فِيهَا غَزَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُوَارٍ الْعَبْدِيُّ الْقَيْقَانَ، فَجَمَعَ لَهُ التُّرْكُ وَالْتَقَوْا، فَاسْتُشْهِدَ عَبْدُ اللَّهِ، وَسَارَ ذَلِكَ الْجَيْشُ، وَغَلَبَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْقَيْقَانَ.
وَفِيهَا سَارَ رُوَيْفِعُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ مِنْ أَطْرَابُلُسَ الْمَغْرِبَ فَدَخَلَ إِفْرِيقِيَّةَ، ثُمَّ انْصَرَفَ مِنْ سَنَتِهِ.
وَأَقَامَ الْمَوْسِمَ عَنْبَسَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ.
وَفِيهَا عُزِلَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ عَنْ مِصْرَ وَأُمِّرَ عَلَيْهَا مَسْلَمَةُ بْنُ مَخْلَدٍ.
وَفِيهَا شَتَّى مَالِكُ بْنُ هُبَيْرَةَ بِأَرْضِ الرُّومِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَهْبَانُ بْنُ أَوْسٍ، وَعَتِيُّ بْنُ ضَمْرَةَ.
-سَنَة سبع وخمسين.
فِيهَا تُوفيت أم المؤْمِنِينَ عائشة، أَوْ في سَنَة ثمان، وَفِيهَا: السائب بن أبي وداعة السهمي، ومعتب بن عوف ابن الحمراء وعَبْد اللَّهِ بن السعدي العامري، وفي قول: أَبُو هريرة.
وَفِيهَا: كعب بن مرة، أَوْ مرة بن كعب البهزي، وقثم بن العباس.
وَيُقَالُ: تُوُفِّيَ فِيهَا سَعِيد بن العاص. وعَبْد اللَّهِ بن عامر بن كريز.
وَفِيهَا عُزِل الضحاك عَن الْكُوفَة، ووليها عَبْد الرَّحْمَنِ ابن أم الحكم. وَفِيهَا وجه مُعَاوِيَة حسان بن النعمان الغساني إِلَى إفريقية، فصالحه من يليه من البربر، وضرب عليهم الخراج، وبقي عليها حَتَّى تُوُفِّيَ مُعَاوِيَة.
وَفِيهَا عزل مُعَاوِيَة مروان عَن المدينة، وأمَّر عليها الْوَليد بن عُتْبة بن أَبِي سفيان، وعزل عَن خُراسان سَعِيد بن عُثْمَان، وأعاد عليها عُبيد اللَّه بن زياد.
وشتى عَبْد اللَّهِ بن قيس بأرض الروم.
-سَنَةِ سَبْعٍ وَسِتِّينَ
فِيهَا تُوُفِّيَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، وَالْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ الْكَذَّابُ، وَعُمَرُ وَعُبَيْدُ اللَّهِ ابْنَا عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَزَائِدَةُ بْنُ عُمَيْرٍ الثَّقَفِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ؛ قُتِلَ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ فِي حَرْبِ الْمُخْتَارِ، وَقُتِلَ عُبَيْدُ اللَّهِ وَأَمُرَاؤُهُ فِي أَوَّلِ الْعَامِ.
-سَنَةِ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ
فِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ بِمِصْرَ، وَشُرَيْحُ القاضي بالكوفة، وَفِيهِ خِلَافٌ.
وَفِيهَا سَارَ شَبِيبُ بْنُ يَزِيدَ، فَنَزَلَ الْمَدَائِنَ، فَنَدَبَ الْحَجَّاجُ لِقِتَالِهِ أَهْلَ الْكُوفَةِ كُلَّهُمْ، عَلَيْهِمْ زُهْرَةُ بْنُ حَوِيَّةَ السَّعْدِيُّ، شَيْخٌ كَبِيرٌ قَدْ بَاشَرَ الْحُرُوبَ، وَبَعَثَ إِلَى حَرْبِهِ عبد الملك من الشام سفيان بن الأبرد، وَحَبِيبًا الْحَكَمِيَّ فِي سِتَّةِ آلافٍ، ثُمَّ قَدِمَ عَتَّابُ بْنُ وَرْقَاءَ عَلَى الْحَجَّاجِ مُسْتَعْفِيًا مِنْ عِشْرَةِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ، فَاسْتَعْمَلَهُ الْحَجَّاجُ عَلَى الْكُوفَةِ، وَلِجَمْعِ جَمِيعِ الْجَيْشِ خَمْسِينَ أَلْفًا، وَعَرَضَ شَبِيبُ بْنُ يَزِيدَ جُنْدَهُ بِالْمَدَائِنِ، فَكَانُوا أَلْفَ رَجُلٍ، فَقَالَ: يَا قَوْمُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ يَنْصُرُكُمْ وَأَنْتُمْ مِائَةٌ أَوْ مِائَتَانِ، فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ مِئُونٌ.
ثُمَّ رَكِبَ، فَأَخَذُوا يَتَخَلَّفُونَ عَنْهُ وَيَتَأَخَّرُونَ، فَلَمَّا الْتَقَى الْجَمْعَانِ تَكَامَلَ مَعَ شَبِيبٍ ست مائة، فَحَمَلَ فِي مِائَتَيْنِ عَلَى مَيِسرَةِ النَّاسِ فَانْهَزَمُوا، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَعَتَّابُ بْنُ وَرْقَاءَ جَالِسٌ هُوَ وَزُهْرَةُ بْنُ حَوِيَّةَ عَلَى طِنْفَسَةٍ فِي الْقَلْبِ، فَقَالَ عَتَّابٌ: هَذَا يَوْمٌ كَثُرَ فِيهِ الْعَدَدُ وقل فيه الغنى، والهفي على خمسة مائة مِنْ رِجَالِ تَمِيمٍ.
وَتَفَرَّقَ عَنْ عَتَّابٍ عَامَّةُ الْجَيْشِ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ شَبِيبٌ، فَقَاتَلَ عَتَّابٌ سَاعَةً وَقُتِلَ، وَوَطِئَتِ الْخَيْلُ زُهْرَةُ فَهَلَكَ، فَتَوَجَّعَ لَهُ شَبِيبٌ لَمَّا رَآهُ صَرِيعًا، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّكَ لَمُنْذُ اللَّيْلَةِ لَمُتَوَجِّعٌ لِرَجُلٍ مِنَ الْكَافِرِينَ؟ قَالَ: إنك لست أعرف بصلاتهم مني، إني أعرف من قديم -[771]- أمرهم ما لا تَعْرِفُ، لَوْ ثَبَتُوا عَلَيْهِ كَانُوا إِخْوَانَنَا. وَقُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ: عَمَّارُ بْنُ يَزِيدَ الْكَلْبِيُّ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
ثُمَّ قَالَ شَبِيبٌ لِأَصْحَابِهِ: ارْفَعُوا عَنْهُمُ السَّيْفَ، وَدَعَا النَّاسَ إِلَى طَاعَتِهِ وَبَيْعَتِهِ، فَبَايَعُوهُ، ثُمَّ هَرَبُوا لَيْلا.
هَذَا كُلُّهُ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ جَيْشُ الشَّامِ، فَتَوَجَّهَ شَبِيبٌ نَحْوَ الْكُوفَةِ، وَقَدْ دَخَلَهَا عَسْكَرُ الشَّامِ، فَشَدُّوا ظَهْرَ الْحَجَّاجِ وَانْتَعَشَ بِهِمْ، وَاسْتَغْنَى بِهِمْ عَنْ عَسْكَرِ الْكُوفَةِ، وَقَالَ: يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ لا أعز الله بكم مَنْ أَرَادَ بِكُمُ الْعِزَّ، الْحَقُوا بِالْحِيرَةِ، فَانْزِلُوا مَعَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلا تُقَاتِلُوا مَعَنَا، وَحَنَقَ بهم، وهذا مما يزيد فِيهِ بُغْضًا.
ثُمَّ إِنَّهُ وَجَّهَ الْحَارِثَ بْنَ مُعَاوِيَةَ الثَّقَفِيَّ فِي أَلْفِ فَارِسٍ فِي الْكَشْفِ، فَالْتَمَسَ شَبِيبٌ غَفْلَتَهُمْ وَالْتَقَوْا، فَحَمَلَ شَبِيبٌ عَلَى الْحَارِثِ فَقَتَلَهُ، وَانْهَزَمَ مَنْ مَعَهُ، ثُمَّ جَاءَ شَبِيبٌ فَنَازَلَ الْكُوفَةَ، وَحَفِظَ النَّاسُ السِّكَكَ، وَبَنَى شَبِيبٌ مَسْجِدًا بِطَرَفِ السَّبْخَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَبُو الْوَرْدِ مَوْلَى الْحَجَّاجِ فِي عِدَّةِ غِلْمَانٍ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ خَرَجَ طُهْمَانَ مَوْلَى الْحَجَّاجِ فِي طَائِفَةٍ، فَقَتَلَهُ شَبِيبٍ.
ثُمَّ أَنَّ الْحَجَّاجَ خَرَجَ مِنْ قَصْرِ الْكُوفَةِ، فَرَكِبَ بَغْلا، وَخَرَجَ فِي جَيْشِ الشَّامِ، فَلَمَّا الْتَقَى الْجَمْعَانِ نَزَلَ الْحَجَّاجُ وَقَعَدَ عَلَى كُرْسِيٍّ، ثُمَّ نَادَى: يَا أَهْلَ الشَّامِ، أَنْتُمْ أَهْلُ السَّمَعِ وَالطَّاعَةِ وَالصَّبْرِ وَالْيَقِينِ، لا يَغْلِبَنَّ بَاطِلُ هَؤُلاءِ حَقَّكُمْ، غُضُّوا الأَبْصَارَ، وَاجْثُوا عَلَى الرَّكْبِ، وَأَشْرِعُوا إِلَيْهِمْ بِالأَسِنَّةِ. وكان شبيب في ست مائة، فَجَعَلَ مِائَتَيْنِ مَعَهُ كُرْدُوسًا، وَمِائَتَيْنِ مَعَ سُوَيْدِ بْنِ سُلَيْمٍ، وَمِائَتَيْنِ مَعَ الْمُحَلَّلِ بْنِ وَائِلٍ، فَحَمَلَ سُوَيْدٌ عَلَيْهِمْ، حَتَّى إِذَا غُشِيَ أَطْرَافُ الأسِنَّةِ وَثَبُوا فِي وُجُوهِهِمْ يَطْعَنُوهُمْ قُدُمًا قُدُمًا، فَانْصَرَفُوا، فَأَمَرَ الْحَجَّاجُ بِتَقْدِيمِ كُرْسِيَّةٍ، وَصَاحَ فِي أصحابه فحمل عليهم شبيب، فثبتوا، وطال القتال، فلما رَأَى شَبِيبٌ صَبْرَهُمْ نَادَى: يَا سُوَيْدُ احْمِلْ على أهل هذا السِّكَّةِ لَعَلَّكَ تُزِيلُ أَهْلَهَا عَنْهَا، فَتَأْتِي الْحَجَّاجَ مِنْ وَرَائِهِ وَنَحْنُ مِنْ أَمَامِهِ، فَحَمَلَ سُوَيْدٌ عَلَى أَهْلِ السِّكَّةِ، فَرُمِيَ مِنْ فَوْقِ الْبُيُوتِ، فَرُدَّ.
قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: فَحَدَّثَنِي فَرْوَةُ بْنُ لَقِيطٍ الْخَارِجِيُّ، قَالَ: فَقَالَ لَنَا شَبِيبٌ يَوْمَئِذٍ: يَا أَهْلَ الإِسْلامِ، إِنَّمَا شَرَيْنَا اللَّهَ، وَمَنْ شَرَى اللَّهَ لَمْ يَكْثُرْ عَلَيْهِ -[772]- مَا أَصَابَهُ، شَدَّةٌ كَشَدَّاتِكُمْ فِي مَوَاطِنِكُمُ الْمَعْرُوفَةِ، وَحَمَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ، فَوَثَبَ أَصْحَابُ الْحَجَّاجِ طَعْنًا وَضَرْبًا، فَنَزَلَ شَبِيبٌ وَقَوْمُهُ، فَصَعِدَ الْحَجَّاجُ عَلَى مَسْجِدِ شَبِيبٍ فِي نَحْوِ عِشْرِينَ رَجُلا، وَقَالَ: إِذَا دَنَوْا فَارْشِقُوهُمْ بِالنَّبْلِ، فَاقْتَتَلُوا عَامَّةَ النَّهَارِ أَشَدَّ قِتَالٍ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى أَقَرَّ كُلُّ فَرِيقٍ لِلْآخَرِ، ثُمَّ إِنَّ خَالِدَ بْنَ عَتَّابِ بْنِ وَرْقَاءَ قَالَ لِلْحَجَّاجِ: ائْذَنْ لِي فِي قِتَالِهِمْ، فَإِنِّي مَوْتُورٌ وَمِمَّنْ لا يُتَّهَمُ فِي نَصِيحَةٍ، فَأَذِنَ لَهُ، فَخَرَجَ فِي عِصَابَةٍ وَدَارَ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَقُتِلَ مُصَادًا أَخَا شَبِيبٍ، وَغَزَالَةُ أَمْرَأَةُ شَبِيبٍ، وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ فِي عَسْكَرِهِ. فَوَثَبَ شَبِيبٌ وَأَصْحَابُهُ عَلَى خُيُولِهِمْ، فَقَالَ الْحَجَّاجُ: احْمِلُوا عليهم فقد انرعبوا، فَشَدُّوا عَلَيْهِمْ فَهَزَمُوهُمْ، وَتَأَخَّرَ شَبِيبٌ فِي حَامِيَةِ قومه، فذكر من كان مع شَبِيبٌ أَنَّهُ جَعَلَ يَنْعَسُ وَيَخْفُقُ بِرَأْسِهِ وَخَلْفَهُ الطَّلَبُ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، الْتَفِتْ فَانْظُرْ مَنْ خَلْفَكَ، فَالْتَفَتَ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ ثُمَّ أَكَبَّ يَخْفِقُ، ثُمَّ قُلْتُ: إِنَّهُمْ قَدْ دَنَوْا، فَالْتَفَتَ ثُمَّ أَقْبَلَ يَخْفِقُ، وَبَعَثَ الْحَجَّاجُ إِلَى خَيْلِهِ أَنْ دَعُوهُ فِي حَرْقِ النَّارِ، فَتَرَكُوهُ وَرَجَعُوا، وَمَرَّ أَصْحَابُ شَبِيبٍ بِعَامِلٍ لِلْحَجَّاجِ عَلَى بَلَدٍ بِالسَّوَادِ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ أَتَوْا بِالْمَالِ عَلَى دَابَّةٍ فَسَبَّهُمْ شَبِيبٌ عَلَى مَجِيئِهِمْ بِالْمَالِ، وَقَالَ: اشْتَغَلْتُمْ بِالدُّنْيَا، ثُمَّ رَمَى بِالْمَالِ فِي الْفُرَاتِ، ثُمَّ سَارَ بِهِمْ إِلَى الأَهْوَازِ وَبِهَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَخَرَجَ لِقِتَالِهِ وَسَأَلَ مُحَمَّدٌ الْمُبَارَزَةَ، فَبَارَزَهُ شَبِيبٌ وَقَتَلَهُ، وَمَضَى إِلَى كِرْمَانَ فَأَقَامَ شَهْرَيْنِ وَرَجَعَ إِلَى الأَهْوَازِ فَنَدَبَ لَهُ الْحَجَّاجِ مُقَدَّمِي جَيْشِ الشَّامِ: سُفْيَانَ بْنَ الأَبْرَدِ الْكَلْبِيَّ، وَحَبِيبَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَكَمِيَّ، فَالْتَقَوْا عَلَى جِسْرِ دُجَيْلٍ، فَاقْتَتَلُوا حَتَّى حَجَزَ بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ، ثُمَّ ذَهَبَ شَبِيبٌ، فَلَمَّا صَارَ عَلَى جِسْرِ دُجَيْلٍ قَطَعَ الْجِسْرَ، فَوَقَعَ شَبِيبٌ وَغَرِقَ، وَقِيلَ: نَفَرَ به فرسه فألقاه في الماء وعليه الحديد، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَغَرْقًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: {{ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}} فَأَلْقَاهُ دُجَيْلٌ إِلَى سَاحِلِهِ مَيِّتًا، فَحُمِلَ عَلَى الْبَرِيدِ إِلَى الْحَجَّاجِ، فَأَمَرَ بِهِ فَشَقَّ بَطْنَهُ، وَأَخْرَجَ -[773]- قَلْبَهُ، فَإِذَا هُوَ كَالْحَجَرِ، إِذَا ضَرَبَ بِهِ الأَرْضَ نَبَا عَنْهَا، فَشَقُّوهِ فَإِذَا فِي دَاخِلِهِ قَلْبٌ صَغِيرٌ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي " تَارِيخِهِ ": ثُمَّ أَنْفَقَ الْحَجَّاجُ الأَمْوَالَ، وَوَجَّهَ سُفْيَانَ بن الأبرد فِي طَلَبِ الْقَوْمِ، قَالَ: وَأَقَامَ شَبِيبٌ بِكِرْمَانَ، حَتَّى إِذَا انْجَبَرَ وَاسْتَرَاشَ كَرَّ رَاجِعًا، فَيَسْتَقْبِلُهُ ابن الأبرد بِجِسْرِ دُجَيْلٍ، فَالْتَقَيَا فَعَبَرَ شَبِيبٌ إِلَى ابْنِ الأبرد فِي ثَلاثَةِ كَرَادِيسَ، فَاقْتَتَلُوا أَكْثَرَ النَّهَارِ، وَثَبَتَ الْفَرِيقَانِ، وَكَرَّ شَبِيبٌ وَأَصْحَابُهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثِينَ كَرَّةً، وَابْنُ الأَبْرَدِ ثَابِتٍ، ثُمَّ آلَ أَمْرُهُمْ إلى أن ازدحموا عند الجسر، فنطر شَبِيبٌ أَصْحَابَ ابْنِ الأَبْرَدِ إِلَى الْجِسْرِ، وَنَزَلَ فِي نَحْوِ مِائَةٍ، فَتَقَاتَلُوا إِلَى اللَّيْلِ قِتَالا عَظِيمًا، ثُمَّ تَحَاجَزُوا.
وَقَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: حَدَّثَنِي فَرْوَةُ، قَالَ: مَا هُوَ إِلا أَنِ انْتَهَيْنَا إِلَى الْجِسْرِ، فَعَبَرَنَا شَبِيبٌ فِي الظُّلْمَةِ وَتَخَلَّفَ في أخرانا، فَأَقْبَلَ عَلَى فَرَسِهِ، وَكَانَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجْرَةٌ فَنَزَا فَرَسُهُ عَلَيْهَا وَهُوَ عَلَى الْجِسْرِ، فَاضْطَرَبَتِ الْمَاذَيانَةُ وَنَزَلَ حَافِرُ الْفَرَسِ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَزَلَ بِهِ فِي الْمَاءِ فَلَمَّا سَقَطَ قَالَ: {{لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولا}} فَانْغَمَسَ ثُمَّ ارْتَفَعَ، فَقَالَ: {{ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}}.
قَالَ: وَقِيلَ كَانَ مَعَهُ رِجَالٌ قَدْ أَصَابَ مِنْ عَشَائِرِهِمْ وَأَبْغَضُوهُ، فَلَمَّا تَخَلَّفَ فِي السَّاقَةِ اشْتَوَرُوا، فَقَالُوا: نَقْطَعُ بِهِ الْجِسْرُ، فَفَعَلُوا، فَمَالَتِ السُّفُنُ، وَنَفَرَ فَرَسُهُ فَسَقَطَ وَغَرِقَ. ثُمَّ تَنَادَوْا بَيْنَهُمْ: غَرِقَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَاسْتَخْرَجُوهُ وَعَلَيْهِ الدِّرْعُ.
قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: فَسَمِعْتُهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ شُقَّ بَطْنُهُ فَأُخْرِجَ قَلْبُهُ، فَكَانَ مُجْتَمِعًا صُلْبًا، كَأَنَّهُ صَخْرَةٌ، وَأَنَّهُ كَانَ يُضْرَبُ بِهِ الأَرْضُ فَيَثِبُ قَامَةَ الإِنْسَانِ. وَسَيَأْتِي فِي تَرْجَمَتِهِ مِنْ أَخْبَارِهِ أَيْضًا.
وَفِيهَا أَمْرُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ بِجَامِعِ مِصْرَ، فَهُدِمَ وَزَيْدُ فِيهِ مِنْ جهاته -[774]- الأربع.
وأمر ببناء حصن الإسكندرية، وَكَانَ مَهْدُومًا مُنْذُ فَتَحَهَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ.
وَفِيهَا افْتَتَحَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ هِرْقَلَةَ وَهِيَ مَدِينَةٌ مَعْرُوفَةٌ دَاخِلَ بِلادِ الرُّومِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ.
وَفِيهَا وَغَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأُمَوِيُّ بِسِجِسْتَانَ، فَأُخِذَ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ، فَأَعْطَى مَالا حَتَّى خَلَّوْا عَنْهُ، فَعَزَلَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ وَوَجَّهَ مَكَانَهُ مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ.
-سَنَةَ سبعٍ وَثَمَانِينَ
تُوُفِّيَ فِيهَا: عُتْبَةُ بْنُ عبْدٍ السُّلَمِيُّ، والمقدام بن معدي كرب الْكِنْدِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ، وَالأَصَحُّ وَفَاتَهُ سَنَةَ تِسْعٍ.
وَيُقَالُ: فِيهَا افْتَتَحَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ أَمِيرُ خُرَاسَانَ بِيكَنْدَ.
وَفِيهَا شَرَعَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي بِنَاءِ جَامِعِ دِمَشْقَ، وَكَتَبَ إِلَى أَمِيرِ الْمَدِينَةِ عُمَرَ بن عبد العزيز ببناء مسجد النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وُلِّيَ عُمَرُ الْمَدِينَةَ وَلَهُ خمسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَصُرِفَ عَنْهَا هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَأُهِينَ وَوَقَفَ لِلنَّاسِ، فَبَقِيَ عُمَرُ عَلَيْهَا إِلَى أَنْ عَزَلَهُ الْوَلِيدُ بأبي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ.
وَفِيهَا قَدِمَ نَيْزَكُ طَرْخَانَ عَلَى قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، فَصَالَحَهُ وَأَطْلَقَ مَنْ فِي يَدِهِ مِنْ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ.
وَفِيهَا غَزَا قُتَيْبَةُ نَوَاحِي بُخَارَى، فَكَانَتْ هُنَاكَ وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ وَمَلْحَمَةٌ هَائِلَةٌ، هَزَمَ اللَّهُ فِيهَا الْمُشْرِكِينَ، وَاعْتَصَمَ نَاسٌ مِنْهُمْ بِالْمَدِينَةِ، ثُمَّ صَالَحَهُمْ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا رَجُلا مِنْ أَقَارِبِهِ، فَقَتَلُوا عَامَّةَ أَصْحَابِهِ وَغَدَرُوا، فَرَجَعَ قُتَيْبَةُ لِحَرْبِهِمْ وَقَاتَلَهُمْ، ثُمَّ افْتَتَحَهَا عَنْوةً، فَقَتَلَ وَسَبَى وَغَنِمَ أَمْوَالا عَظِيمَةً.
وَفِيهَا أَغْزَى أَمِيرُ الْمَغْرِبِ مُوسَى بْنَ نُصَيْرٍ - عِنْدَمَا وَلاهُ الوليد بن -[918]- عَبْدِ الْمَلِكِ إِمْرَةَ الْمَغْرِبِ جَمِيعَهُ - وَلَدَهُ عَبْدَ اللَّهِ سِرْدَانِيَّةَ، فَافْتَتَحَهَا وَسَبَى وَغَنِمَ.
وَفِيهَا أَغْزَى موسى بن نصير ابن أَخِيهِ أَيُّوبَ بْنَ حَبِيبٍ مَمْطُورَةَ، فَغَنِمَ وَبَلَغَ سَبْيُهُمْ ثَلاثِينَ أَلْفًا.
وَفِيهَا غَزَا مُسْلِمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَافْتَتَحَ قميقم وَبُحَيْرَةَ الْفُرْسَانِ، فَقَتَلَ وَسَبَى.
وَيَسَّرَ اللَّهُ فِي هَذَا الْعَامِ بِفُتُوحَاتٍ كِبَارٍ عَلَى الإِسْلامِ.
وَأَقَامَ لِلنَّاسِ الْمَوْسِمَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَوَقَفَ غَلَطًا يَوْمَ النَّحْرِ، فَتَأَلَّمَ عُمَرُ لِذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " يَوْمُ عَرَفَةَ يَوْمُ يُعْرَفُ النَّاسَ ". وَكَانُوا بِمَكَّةَ فِي جَهْدٍ مِنْ قِلَّةِ الْمَاءِ، فَاسْتَسْقَوْا وَمَعَهُمْ عُمَرُ، فَسُقُوا، قَالَ بَعْضُهُمْ: فَرَأَيْتُ عُمَرَ يَطُوفُ وَالْمَاءُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ.
-سَنَةَ سبعٍ وَتِسْعِينَ
فِيهَا تُوُفِّيَ: قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، أَوْ فِي سَنَةِ ثمانٍ، وَطَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعِيدُ بْنُ مُرْجَانَةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ الْمَصْرِيُّ، وَمَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ فِي قَوْلٍ، وَالْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَالسَّائِبُ بْنُ خَبَّابٍ، وَفِي بَعْضِهِمْ خلفٌ يَأْتِي فِي تَرَاجِمِهِمْ، وَمُوسَى بن نصير. -[1044]-
وَفِيهَا غَزَا يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ جُرْجَانَ.
قَالَ الْمَدَائِنِيُّ: غَزَاهَا وَلَمْ تَكُنْ يومئذٍ مَدِينَةً، إِنَّمَا هِيَ جبالٌ محيطةٌ بِهَا، وَتَحَوَّلَ صَوْلُ الْمَلِكِ إلى النجيرة جَزِيرَةً فِي الْبَحْرِ، وَكَانَ يَزِيدُ فِي ثَلاثِينَ أَلْفًا، فَدَخَلَهَا يَزِيدُ، فَأَصَابَ أَمْوَالا، ثُمَّ خَرَجَ إلى النجيرة، فحاصره، فَكَانَ يَخْرُجُ فَيُقَاتِلُ، فَمَكَثُوا كَذَلِكَ أَشْهُرًا، ثُمَّ انْصَرَفَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ.
وَذَكَرَ الْوَلِيدُ بْنُ هشام أن يزيد صالحهم على خمس مائة أَلْفِ دِرْهَمٍ فِي الْعَامِ.
وَرَوَى حَاتِمُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ شَهِدَ ذَلِكَ مَعَ يَزِيدَ، قَالَ: صَالَحَهُمْ عَلَى خمس مائة أَلْفٍ، وَبَعَثُوا إِلَيْهِ بثِيَابٍ وَطَيَالِسَةٍ وَأَلْفِ رَأْسٍ.
وَقَالَ خَلِيفَةُ: وَفِيهَا غَزَا مُسْلِمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بَرْجَمَةَ، وَحِصْنَ ابْنِ عَوْفٍ، وَافْتَتَحَ أَيْضًا حصن الحديد، وسردا، وَشَتَّى بِنَوَاحِي الرُّومِ.
وَأَقَامَ الْحَجَّ الْخَلِيفَةُ سُلَيْمَانُ.
وَفِيهَا بَعَثَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى الْمَغْرِبِ مُحَمَّدَ بْنَ يَزِيدَ مَوْلَى قُرَيْشٍ، فَوَلِيَ سَنَتَيْنِ فَعَدَلَ، وَلَكِنَّهُ عَسَفَ بِآلِ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ، وَقَبَضَ عَلَى ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى وَسَجَنَهُ، ثُمَّ جَاءَهُ الْبَرِيدُ بِأَنْ يَقْتُلَهُ، فولي قتل عبد الله خالد بن ضباب، وَكَانَ أَخُوهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُوسَى عَلَى الأَنْدَلُسِ، ثُمَّ ثَارُوا عَلَيْهِ، فَقَتَلُوهُ فِي سَنَةِ تسعٍ وَتِسْعِينَ؛ لِكَوْنِهِ خَلَعَ طَاعَةَ سُلَيْمَانَ، قَتَلَهُ وَهُوَ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ حَبِيبُ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ نَافِعٍ الْفِهْرِيُّ.
-سَنَةَ سَبْعٍ وَمِائَةٍ
تُوُفِّيَ فِيهَا: سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ الْمَدَنِيُّ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ الْمَدَنِيُّ، وعِكْرِمَةُ الْبَرْبَرِيُّ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ بخلفٍ فِيهِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَكُثَيِّرُ عَزَّةَ الْخُزَاعِيُّ.
وَفِيهَا عُزِلَ الْجَرَّاحُ الْحَكَمِيّ عَنْ إِمْرَةِ أَذْرَبَيْجَانَ وَأَرْمِينِيَّةَ بِمُسْلِمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَنَهَضَ مُسْلِمَةُ فَغَزَا قَيْصَرِيَّةَ الرُّومِ وَافْتَتَحَهَا بِالسَّيْفِ.
وَفِيهَا غَزَا أَسَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ مُتَوَلِّي خُرَاسَانَ بِلادِ غَرْشِسْتَانَ، فَانْكَسَرَ الْمُسْلِمُونَ وَاسْتُشْهِدَ طائفةٌ وَرَجَعَ الْجَيْشُ مَجْهُودِينَ جَائِعِينَ.
-سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ
فِيهَا تُوُفِّيَ سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ وَقَدْ ذُكِرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زَكَرِيَّا الْخُزَاعِيُّ، وَسُكَيْنَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ، وَشُرَيْحُ بْنُ صَفْوَانَ بِمِصْرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزٍ الأَعْرَجُ، وَعَائِشَةُ بِنْتُ سَعْدٍ، وَعُمَرُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَتَادَةُ بْنُ دِعَامَةَ الْمُفَسِّرُ - وَقِيلَ بَعْدَهَا -، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ فِي قَوْلِ الْوَاقِدِيِّ، وَمُوسَى بْنُ وَرْدَانَ الْقَاصُّ بِمِصْرَ، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ أَوْ فِي عَامِ أَوَّلِ، وَأَبُو الْبَدَّاحِ بْنُ عَاصِمٍ الْمَدَنِيُّ، وَنَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعَدَوِيِّ.
وَفِيهَا جَاشَتِ التُّرْكُ بِخُرَاسَانَ وَمَعَهُمُ الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ الْخَارِجِيُّ، وَعَلَيْهِمُ الْخَاقَانُ الْكَبِيرُ، فَعَاثُوا وَأَفْسَدُوا، وَوَصَلُوا إِلَى بَلَدِ مَرْوِ الرُّوذِ، فَسَارَ أسدٌ الْقَسْرِيُّ فَالْتَقَاهُمْ فَهَزَمَهُمْ، وَكَانَتْ وَقْعَةً هَائِلَةً قُتِلَ فِيهَا مِنَ التُّرْكِ خَلائِقُ.
وَفِيهَا افْتَتَحَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ مُتَوَلِّي أَذْرَبَيْجَانَ ثَلاثَةَ حُصُونٍ، وَأَسَرَ تُومَانْشَاهَ، وَبَعَثَ بِهِ إِلَى الْخَلِيفَةِ هِشَامٍ، فَمَنَّ عَلَيْهِ وَأَعَادَهُ إِلَى مَمْلَكَتِهِ.
وَفِيهَا غَزَا ابْنُ الْحَبْحَابِ أَمِيرُ الْمَغْرِبِ فَغَنِمَ وَسَلِمَ.

-سنة سبع وعشرين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا تُوُفِّيَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّدِّيُّ، وَبُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ عَلَى الأَصَحِّ، وَسَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ الْفَهْمِيُّ، وَعَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مَالِكٍ الْجَنَدِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ الْمَدَنِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ، وَعُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ الْعَنْسِيِّ، وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ الزَّاهِدُ فِي قَوْلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ فِي قَوْلِ خَلِيفَةَ، وَوَهْبُ -[359]- ابْنُ كَيْسَانَ الْمُؤَدَّبُ.
وَفِيهَا كَانَتْ فِتَنٌ عَظِيمَةٌ وَبَلاءٌ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ مُحَمَّدٍ مُتَوَلِّي أَذْرَبَيْجَانَ وَأَرْمِينِيَّةَ وَتِلْكَ الْمَمَالِكِ، لَمَّا بَلَغَهُ مَوْتُ يَزِيدَ النَّاقِصِ، أَنْفَقَ الأَمْوَالَ وَجَمَعَ الأَبْطَالَ وَسَارَ بِالْعَسَاكِرِ فَدَخَلَ الشَّامَ، فَجَهَّزَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْوَليِدِ لِحَرْبِهِ أَخَوَيْهِ بِشْرًا وَمَسْرُورًا، فَالْتَقَوْا، فَانْتَصَرَ مَرْوَانُ وَأَسَرَهُمَا وَسَجَنَهُمَا، ثُمَّ زَحَفَ حَتَّى نَزَلَ بِعَذْرَاءَ فَالْتَقَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَكَانَتْ بَيْنَهُمَا وَقْعَةٌ مَشْهُودَةٌ، ثُمَّ انْهَزَمَ سُلَيْمَانُ وَبَلَغَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْوَليِدِ، فَعَسْكَرَ بِظَاهِرِ دِمَشْقَ وَأَنْفَقَ الأَمْوَالَ فِي الْعَسْكَرِ فَخَذَلُوهُ وَتَفَلَّلُوا عَنْهُ، وَوَثَبَ الْكِبَارُ بِدِمَشْقَ فَقَتَلُوا عَبْدَ الْعَزِيزِ بن الحجاج بن عبد الملك بن مَرْوَانَ، وَيُوسُفُ بْنُ عُمَرَ الَّذِي كَانَ نَائِبَ الْعِرَاقِ فِي الْحَبْسِ.
وَقُتِلَ الْحَكَمُ وَعُثْمَانُ ابْنَا الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ، وَكَانَا يُلَقَّبَانِ بِالْجَمَلَيْنِ، وَكَانَا شَابَّيْنِ أَمْرَدَيْنِ قَتَلُوهُمَا بِالدَّبَابِيسِ، وَثَبَ عَلَيْهِمَا غِلْمَانُ يَزِيدَ بْنِ خَالِدٍ الْقَسْرِيِّ لِأَنَّ أُمَرَاءَ دِمَشْقَ خَافُوا مِنْ أَنْ يُخْرِجَهُمَا مَرْوَانُ الْحِمَارُ فَيُبَايِعُ أَحَدَهُمَا أَوْ يَجْعَلُهُ وَلِيَّ عَهْدٍ فَلا يَسْتَبْقِي أَحَدًا قَامَ عَلَى أَبِيهِ.
ثُمَّ هَرَبَ الْخَلِيفَةُ إِبْرَاهِيمُ بن الوليد فساق يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية وَبَنُو عَمِّهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ إِلَى عَذْرَاءَ إِلَى مَرْوَانَ الْحِمَارِ وَبَايَعُوهُ بِالْخِلافَهِ، وَدَخَلَ الْبَلَدَ فَأمَرَ بِنَبْشِ يَزِيدَ بْنِ الْوَليِدِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَصَلَبَهُ لِأَجْلِ قِيَامِهِ عَلَى الْوَلِيدِ الْفَاسِقِ، ثُمَّ إِنَّ الْخَلِيفَةَ إِبْرَاهِيمَ ذَلَّ وجاء فوضع يده في يد مروان بن مُحَمَّدٍ وَخَلَعَ نَفْسَهُ مِنَ الأَمْرِ وَسَلَّمَهُ إِلَى مَرْوَانَ وَبَايَعَ طَائِعًا.
وَجَرَتْ هَوَشَاتٌ وَفِتَنٌ، وَوَثَبَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ بِالْغُوطَةِ فَقَتَلَ يَزِيدَ بْنَ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقِسْرِيَّ وَتَمَّ الأَمْرُ لِمَرْوَانَ، ثُمَّ سَارَ عَنْ دِمَشْقَ فَخَلَعَهُ أَهْلُهَا وَأَهْلُ حِمْصٍ فَنَزَلَ عَلَى حِمْصٍ بِجَيْشِهِ وَحَاصَرَهَا وَأَخَذَهَا وَقَتَلَ عِدَّةُ أُمَرَاءَ وَهَدَمَ نَاحِيَةً مِنْ سُورِهَا، وَخَرَجَ عَلَيْهِ مِنْ طَبَرِيَّةَ ثَابِتُ بْنُ نَعِيمٍ الْجُذَامِيُّ، فَجَهَّزَ لِحَرْبِهِ عَسْكَرًا، فَانْهَزَمَ ثَابِتٌ بَعْدَ أَنْ قُتِلَ جَمَاعَةٌ مِنْ جُنْدِهِ، ثُمَّ أُسِرَ وَأُتِيَ بِهِ مَرْوَانُ فَقَطَعَ أَرْبَعَتَهُ بِدِمَشْقَ، وَكَانَ سَيِّدَ الْيَمَانِيَّةِ فِي زَمَانِهِ.
وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَبَايَعُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ -[360]- الْهَاشِمِيَّ، وَكَانَ مَعَهُ أَخَوَاهُ الْحَسَنُ وَيَزِيدُ، وَكَانُوا قَدْ وَفَدُوا عَلَى نَائِبِ الْكُوفَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَأَكْرَمَهُمْ وَبَالَغَ فِي الإِحْسَانِ، فَلَمَّا مَاتَ يَزِيدُ النَّاقِصُ هَاجَتْ شِيعَةُ الْكُوفَةِ وَجَيَّشُوا وَغَلَبُوا عَلَى الْقَصْرِ وَبَايَعُوا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا، فَحَشَدَ مَعَهُ خَلائِقَ فَالْتَقَاهُمْ عَسْكَرُ الْكُوفَةِ وَتَمَّتْ لَهُمْ وَقْعَةٌ انْهَزَمَ فِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ، فَدَخَلَ الْقَصْرَ وَقُتِلَ خَلْقٌ مِنْ شِيعَتِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ أُخْرِجَ مِنَ الْقَصْرِ، وَأَمَّنُوهُ وَأَخْرَجُوهُ مِنَ الْكُوفَةِ، فَتَلاحَقَ بِهِ عَدَدٌ كَثِيرٌ وَرَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى قَصْرِ الإِمَارَةِ.
وَفِي هَذِهِ الْمُدَّةِ كَانَ ظُهُورُ سَعِيدِ بْنِ بَحْدَلٍ الْخَارِجِيِّ بِنَوَاحِي الْمَوْصِلِ وَتَبِعَهُ خَلْقٌ فَلَمْ يَنْشَبْ أَنْ مَاتَ وَاسْتُخْلِفَ عَلَى أَصْحَابِهِ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ الْمَحْكَمِيُّ، فَغَلَبَ عَلَى تِكْرِيتَ، ثُمَّ سَارَ مِنْهَا إِلَى الْكُوفَةِ فَعَسْكَرَ بِدِيرِ الثَّعَالِبِ فِي نَحْوٍ مِنْ ثَلاثَةِ آلافٍ، فَالْتَقَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَكَانَ بَيْنَهُمَا وَقْعَةٌ هَائِلَةٌ، ثُمَّ انْكَسَرَ عَبْدُ اللَّهِ وَتَحَيَّزَ إِلَى وَاسِطَ، وَمَلَكَ الضَّحَّاكُ الْكُوفَةَ وَقَوِيَ أَمْرُهُ، ثُمَّ عَبَّأَ جُيُوشَهُ فِي رَمَضَانَ، وَسَارَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى وَاسِطَ فَحَارَبَهُ عَبْدُ اللَّهُ بْنُ عُمَرَ، وَكَانَ مَنْصُورُ بْنُ جُمْهُورٍ أَحَدَ الأَبْطَالِ الْمَذْكُورِينَ، وَالشُّجْعَانِ الْمَعْدُودِينَ مَعَ ابْنِ عُمَرَ، فَدَامَ الْقِتَالُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ شَهْرَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ وَقُتِلَ خَلْقٌ، ثُمَّ أَرْسَلَ الضَّحَّاكُ الْمَحْكَمِيُّ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَلاطَفَهُ عَلَى أَنْ يَدْخُلَ فِي طَاعَتِهِ وَيُقِرَّهُ عَلَى عَمَلِهِ، فَأَعْطَاهُ عَبْدُ اللَّهِ ذَلِكَ وَلايَنَهُ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ شُبَيْلُ بْنُ عَزْرَةَ الضُّبَعِيِّ، وَكَانَ مِنَ الْخَوَارِجِ:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَظْهَرَ دِينَهُ ... وَصَلَّتْ قُرَيْشٌ خَلْفَ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ
ثُمَّ سَارَ الضَّحَّاكُ إِلَى الْمَوْصِلِ فَخَرَجَ لِحَرْبِهِ مُتَوَلِّيهَا فَقُتِلَ، ثُمَّ اسْتَوْلَى الضَّحَّاكُ عَلَى الْمَوْصِلِ وَاتَّسَعَ سُلْطَانُهُ وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُ الْخَوَارِجِ، فَكَتَبَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلِيفَةُ إِلَى وَلَدِهِ عَبْدُ اللَّهِ وَالِي الْجَزِيرَةِ، فَأَمَرَهُ أن يعسكر بنصيبين، فسار إليه الضحاك فحصره نَحْوًا مِنْ شَهْرَيْنِ وَبَثَّ خَيْلَهُ يُغِيرُونَ عَلَى بِلادِ الْجِزِيرَةِ، وَكَثُرَتْ جُمُوعُ الضَّحَّاكِ وَانْضَافَ إِلَيْهِ من هرب -[361]- مِنْ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَعَظُمَ الْخَطْبُ، فَسَارَ مَرْوَانُ بِنَفْسِهِ لِيَكْشِفَ عَنِ ابْنِهِ، فَالْتَقَاهُ الضَّحَّاكُ فَأَشَارَ عَلَى الضَّحَّاكِ أُمَرَاؤُهُ أَنْ يَتَأَخَّرَ وَيُقَدِّمَ فرسانه، فقال: إني والله ما لي فِي دُنْيَاكُمْ هَذِهِ مِنْ حَاجَةٍ، وَإِنَّمَا أَرَدْتُ هَذَا الطَّاغِيَةَ وَقَدْ جَعَلْتُ لِلَّهِ عَلَيَّ إِنْ رَأَيْتُهُ أَنْ أَحْمِلَ عَلَيْهِ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، وَعَلَيَّ دَيْنٌ سَبْعَةُ دَرَاهِمَ فِي كُمِّي مِنْهَا ثَلاثَةٌ، وَالْتَحَمَ الْقِتَالُ إِلَى الْمَسَاءِ فَقُتِلَ الضَّحَّاكُ فِي الْمَعْرَكَةِ وَلَمْ يَدْرِ بِهِ أَحَدٌ وَدَخَلَ اللَّيْلُ، وَقُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ نَحْوٌ مِنْ سِتَّةِ آلافٍ، ثُمَّ أَصْبَحُوا عَلَى الْقِتَالِ، وَرَكَبَ النَّاس يَوْمَئِذٍ ضَبَابٌ بِحَيْثُ أَنَّ الْفَارِسَ لا يَرَى عَرْفَ فَرَسِهِ، وَمَضَى مَرْوَانُ فِي كُلِّ وَجْهٍ وَثَبَتَ جُنْدُهُ وَجَاءَ الْخَيْبَرِيُّ أَحَدُ رؤوس الْخَوَارِجِ فَدَخَلَ فِي مُعَسْكَرِ مَرْوَانَ وَقَطَعَ أَطْنَابَ خِيَامِهِ وَجَلَسَ عَلَى سَرِيرِهِ فَكَرَّ نَحْوٌ مِنْ ثَلاثَةِ آلافٍ عَلَى الْخَيْبَرِيِّ فَقَتَلُوهُ، فَقَامَ بِأَمْرِ الْخَوَارِجِ شَيْبَانُ فَتَحَيَّزَ بِهِمْ وَنَزَلَ بِالزَّابَيْنِ وَخَنْدَقُوا عَلَى نُفُوسِهِمْ، فَقَاتَلَهُمْ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَشْرَةَ أَشْهُرٍ كُلُّ يَوْمٍ رَايَةُ مَرْوَانَ مَهْزُومَةٌ، ثُمَّ نزل شيبان الخنادق وطلب شهرزور، ثُمَّ انْحَدَرَ عَلَى مَاهٍ، ثُمَّ عَلَى الصَّيْمَرَةِ فَأَتَى بِلادَ كَرْمَانَ وَعَاثَ وَأَفْسَدَ، ثُمَّ رَجَعَ إلى عُمَانَ، فَقَاتَلُوهُ فَقُتِلَ فِي الوقعة.
وَفِيهَا كَانَ قَدْ خَرَجَ بِأَذْرَبَيْجَانَ بِسْطَامُ بْنُ اللَّيْثِ التَّغْلَبِيُّ فَسَارَ فِي نَيِّفٍ وَأَرْبَعِينَ فَارِسًا حَتَّى قَدِمَ بَلَدَ، فَسَارَ إِلَيْهِ عَسْكَرٌ مِنَ الْمَوْصِلِ فَبَيَّتَهُمْ وأصاب منهم، ثم قدم نصيبين فعاث وشعث فِي حَيَاةِ الضَّحَّاكِ، فَجَهَّزَ لَهُ الضَّحَّاكُ عَسْكَرًا، فَقُتِلَ هُوَ وَغَالِبُ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ سَكَنَ وَذُلَّتِ الْخَوَارِجُ، وَتَوَطَّدَتِ الْمَمْلَكَةُ لِمَرْوَانَ فَبَعَثَ عَلَى الْعِرَاقِ يَزِيدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ الْفَزَارِيُّ، وَعَزَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَكَانَتْ إِمْرَةُ عَبْدِ اللَّهِ عَامَيْنِ، فَسَارَ يَزِيدُ بْنُ عُمَرَ حَتَّى نَزَلَ هِيتَ وَحَارَبَ الْخَوَارِجَ مَرَّاتٍ وَظَهَرَ عَلَيْهِمْ وَانْهَزَمَ مِنْهُ مَنْصُورُ بْنُ جَمْهُورٍ إِلَى السِّنْدِ.
وَفِيهَا خَرَجَ الْحَارِثُ بْنُ حُرَيْثٍ الْكَرْمَانِيُّ وَمَعَهُ الأَزْدُ، فَالْتَقَاهُ أَمِيرُ خُرَاسَانَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ فَانْهَزَمَ نَصْرُ وَقَوِيَ أَمْرُ الْحَارِثِ، وَالْتَفَّتْ عَلَيْهُ مضر -[362]- وَبَايَعُوهُ وَغَلَبَ عَلَى مَرْوَ وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ.
وَفِيهَا خَرَجَ بِمِصْرَ وُجُوهُ أَهْلِهَا عَلَى مَرْوَانَ وَكَثُرَتْ عَلَيْهِ الْفُتُوقُ مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ إِلَى بِلادِ التُّرْكِ.

-سنة سبع وثلاثين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلاثِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا تُوُفِّيَ: أَسَدُ بْن وَدَاعَةَ الْكِنْدِيُّ، وَحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي قَوْلِ خَلِيفَةَ، وَخَصِيفُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي قَوْلٍ، وَخَيْرُ بْنُ نُعَيْمٍ قَاضِي مِصْرَ، وَأَبُو مُسْلِمٍ صَاحِبُ الدَّعْوَةِ مَقْتُولا، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ فِي قَوْلٍ، وَعَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ فِي قَوْلِ خَلِيفَةَ وَغَيْرِهِ، وَمَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَشَلُّ، وَوَاهِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَعَافِرِيُّ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ فِي قَوْلٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ زَيْدِ بْنِ طَلْحَةَ الْمَدَنِيُّ، وَابْنُ الْمُقَفَّعِ قَتَلَهُ وَالِي الْبَصْرَةِ.
وَفِيهَا فِي أَوَّلِهَا بَلَغَ أَهْلَ الشَّامِ مَوْتُ السَّفَّاحِ فَبَايَعَ أَهْلُ دِمَشْقَ هَاشِمَ بن يزيد بن خالد بن يزيد بن مُعَاوِيَةَ، قَامَ بِأَمْرِهِ، فِيمَا قِيلَ، عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى بْنِ سُرَاقَةَ الأَزْدِيُّ، فَلَمَّا أَظَلَّهُمَا صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ بِالْجُيُوشِ هَرَبَا، وَكَانَ عُثْمَانُ قَدِ اسْتَعْمَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ عَلَى أَهْلِ دِمَشْقَ، فَخَرَجَ وَسَبَّ بَنِي الْعَبَّاسِ عَلَى مِنْبَرِ دِمَشْقَ، ثُمَّ إِنَّهُ قُتِلَ.
وَدَخَلَ الْمَنْصُورُ دَارَ الإِمْرَةِ بِالأَنْبَارِ فَوَجَدَ عِيسَى بْنَ مُوسَى ابْنَ عَمِّهِ قَدْ بَذَرَ الْخَزَائِنَ فَجَدَّدَ النَّاسُ لَهُ الْبَيْعَةَ وَمِنْ بَعْدِهِ لِعِيسَى، وَأَمَّا عَمُّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ فَإِنَّهُ أَبْدَى أَنّ السَّفَّاحَ قَالَ: مَنِ انْتُدِبَ لِمَرْوَانَ الْحِمَارِ فَهُوَ وَلِيُّ عَهْدِي مِنْ بَعْدِي وَعَلَى هَذَا خَرَجْتُ، فَقَامَ عُدَّةٌ مِنَ الْقُوَّادِ الْخُرَاسَانِيَّةِ فَشَهِدُوا بِذَلِكَ، وَبَايَعَهُ حُمَيْدُ بْنُ قُحْطُبَةَ، وَمُخَارِقُ بْنُ الْغِفَارِ، وَأَبُو غَانِمٍ الطَّائِيُّ، وَالْقُوَّادُ، فَقَالَ الْمَنْصُورُ لِأَبِي مُسْلِمٌ الْخُرَاسَانِيُّ: إِنَّمَا هُوَ أَنَا وَأَنْتَ فَسِرْ نَحْوَ عَبْدِ اللَّهِ، فَسَارَ بِسَائِرِ الْجَيْشِ مِنَ الأَنْبَارِ وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ مَالِكُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْخُزَاعِيُّ وَمَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ قُحْطُبَةَ، وَأَخُوهُ حُمَيْدٌ كَانَ فَارَقَ عَبْدَ اللَّهِ لَمَّا تَنَكَّرَ لَهُ، وَخَشِيَ عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ الْخُرَاسَانِيَّةَ الَّذِينَ مَعَهُ لا تَنْصَحُ فَقَتَلَ مِنْهُمْ بِضْعَةَ عَشَرَ أَلْفًا، أمَرَ صَاحِبَ شُرْطَتِهِ فَقَتَلَهُمْ بِخَدِيعَةٍ، ثُمَّ نَزَلَ نَصِيبِينَ وَخَنْدَقَ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَقْبَلَ أَبُو مُسْلِمٍ فَنَزَلَ بِقُرْبٍ مِنْهُ، ثُمَّ نَفَذَ إِلَيْهِ: إِنِّي لَمْ أؤمر بقتالك -[600]- وَلَكِنْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَلانِي الشَّامَ وَأَنَا أُرِيدُهَا، فَقَالَ الشَّامِيُّونَ لِعَبْدِ اللَّهِ: كَيْفَ نُقِيمُ مَعَكَ وَهَذَا يَأْتِي بِلادَنَا وَيَقْتُلُ وَيَسْبِي وَلَكِنْ نَسِيرُ إِلَى بِلادِنَا وَنَمْنَعُهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ مَا يُرِيدُ الشَّامَ وَلَئِنْ أَقَمْتُمْ لَيَقْصِدَنَّكُمْ، ثُمَّ كَانَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ نَحْوًا مِنْ خَمْسَةِ أَشْهُرٍ، وَأَهْلُ الشَّامِ أكثر فرساناً وأكمل عدة، وكان على مَيْمَنَتُهُمْ بَكَّارَ بْنَ مُسْلِمٍ الْعُقَيْلِيَّ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ خَازِمُ بْنُ خُزَيْمَةَ، وَاسْتَظْهَرَ الشَّامِيُّونَ غَيْرَ مَرَّةً، وكاد عَسْكَرُ أَبِي مُسْلِمٍ أَنْ يَنْهَزِمُوا وَهُوَ يُثَبِّتُهُمْ وَيَرْتَجِزُ:
مَنْ كَانَ يَنْوِي أَهْلَهُ فَلا رَجَعْ ... فَرَّ مِنَ الْمَوْتِ وَفِي الْمَوْتِ وَقْعٌ
ثُمَّ أَرْدَفَ الْقَلْبُ بِمَيْمَنَتِهِ وَحَمَلُوا عَلَى مَيْسَرَةِ عَبْدِ اللَّهِ فَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لابْنِ سُرَاقَةَ الأَزْدِيِّ: مَا تَرَى؟ قَالَ: أَرَى أَنْ نَصْبِرَ وَنُقَاتِلَ فَإِنَّ الْفِرَارَ قَبِيحٌ بِمِثْلِكَ وَقَدْ عِبْتَهُ عَلَى مَرْوَانَ، قَالَ: إِنِّي أَقْصِدُ الْعِرَاقَ، قال: فأنا معك، فانهزموا وخلوا عسكرهم فاحتوى عَلَيهِ أَبُو مُسْلِمٍ بِمَا فِيهِ وَكَتَبَ بِالنَّصْرِ إِلَى الْمَنْصُورِ فَبَعَثَ مَوْلًى لَهُ يُحْصِي مَا حَوَاهُ أَبُو مُسْلِمٍ، فَغَضِبَ عِنْدَهَا أَبُو مُسْلِمٍ وَتَنَمَّرَ وَهَمَّ بِقَتْلِ الْمَوْلَى، وَقَالَ: إِنَّمَا لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ هَذَا الْخُمْسُ، وَمَضَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ وَأَخُوهُ عَبْدُ الصَّمَدِ، فَأَمَّا عَبْدُ الصَّمَدِ فَقَصَدَ الْكُوفَةَ فَاسْتَأْمَنَ لَهُ عِيسَى بْنُ مُوسَى فَأَمَّنَهُ الْمَنْصُورُ، وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ فَأَتَى أَخَاهُ سُلَيْمَانَ مُتَوَلِّي الْبَصْرَةَ فَاخْتَفَى عِنْدَهُ وَأَمَّا الْمَنْصُورُ فَخَافَ مِنْ غَيْظِ أَبِي مُسْلِمٍ وَأَنْ يَذْهَبَ إِلَى خُرَاسَانَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِوِلايَةِ الشَّامِ وَمِصْرَ، فَأَقَامَ بِالشَّامِ وَاسْتَعْمَلَ عَلَى مِصْرَ، فَلَمَّا أَتَاهُ الْكِتَابُ أَظْهَرَ الْغَضَبَ وَقَالَ: يُوَلِّينِي مِصْرَ وَالشَّامَ وَأَنَا لِي خُرَاسَانُ! وَعَزَمَ عَلَى الشَّرِّ، وَقِيلَ: بَلْ شَتَمَ الْمَنْصُورَ لَمَّا جَاءَهُ مَنْ يُحْصِي عَلَيْهِ الْغَنَائِمَ، وَأَجْمَعَ عَلَى الْخِلافِ، ثُمَّ طَلَبَ خُرَاسَانَ، وَخَرَجَ الْمَنْصُورُ إِلَى الْمَدَائِنِ، وَكَانَ مِنْ دُهَاةِ الْعَالَمِ لَوْلا شُحُّهُ، وَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ لِيُقْدِمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَدُوٌّ، وَقَدْ كُنَّا نَرْوِي عَنْ مُلُوكِ آلِ سَاسَانَ أَنَّ أَخْوَفَ ما يكون الوزراء إذا سكنت الدَّهْمَاءُ، فَنَحْنُ نَافِرُونَ مِنْ قُرْبِكَ حَرِيصُونَ عَلَى الْوَفَاءِ بِعَهْدِكَ مَا وَفَّيْتَ، فَإِنْ أَرْضَاكَ ذَاكَ فَأَنَا كَأَحْسَنِ عَبِيدِكَ، وَإِنْ أَبَيْتَ نَقَضْتُ مَا أَبْرَمْتُ مِنْ عَهْدِكَ ضَنًّا بِنَفْسِي، فَرَدَّ عَلَيْهِ الْمَنْصُورُ الْجَوَابَ يُطَمْئِنُهُ مَعَ جَرِيرِ بْنِ يَزِيدَ الْبَجَلِيِّ، وَكَانَ وَاحِدَ وَقْتِهِ فَخَدَعَهُ وَرَدَّهُ. -[601]-
وَأَمَّا أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ فَذَكَرَ عَنْ جَمَاعَةٍ قَالُوا: كَتَبَ أَبُو مُسْلِمٍ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي اتَّخَذْتُ رَجُلا إِمَامًا وَدَلِيلا عَلَى مَا افْتَرَضَهُ اللَّهُ وَكَانَ فِي مَحِلَّةِ الْعِلْمِ نَازِلا فَاسْتَجْهَلَنِي بِالْقُرْآنِ، فَحَرَّفَهُ عَنْ مَوَاضِعِهِ، طَمَعًا فِي قَلِيلٍ قَدْ نَعَاهُ اللَّهُ إِلَى خَلْقِهِ وَكَانَ كَالَّذِي دَلَّى بِغُرُورٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أُجَرِّدَ السَّيْفَ وَأَرْفَعَ الرَّحْمَةَ، فَفَعَلْتُ تَوْطِئَةً لِسُلْطَانِكُمْ، ثُمَّ اسْتَنْقَذَنِي اللَّهُ بِالتَّوْبَةِ، فَإِنْ يَعْفُ عَنِّي فَقِدْمًا عُرِفَ بِهِ وَنُسِبَ إِلَيْهِ، وَإِنْ يُعَاقِبْنِي فَبِمَا قَدَّمَتْ يَدَايَ.
ثُمَّ سَارَ يُرِيدُ خُرَاسَانَ مُشَاقًّا مُرَاغِمًا، فَأَمَرَ الْمَنْصُورُ لِمَنْ بِالْحَضْرَةِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ أَنْ يَكْتُبُوا إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ يُعْظِمُونَ الأَمْرَ وَيَأْمُرُونَهُ بِلُزُومِ الطَّاعَةِ وَأَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَوْلاهُ، وَقَالَ الْمَنْصُورُ لِرَسُولِهِ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ، وَهُوَ أَبُو حُمَيْدٍ الْمَرْوَرُوذِيُّ: كَلِّمْهُ بِاللِّينِ مَا يُمْكِنُ ومَنِّهْ وَعَرِّفْهُ بِحُسْنِ نِيَّتِي وَتَلَطَّفَ، فَإِنْ يَئِسْتَ مِنْهُ فَقُلْ لَهُ: قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ خُضْتَ البَحرَ لَخَاضَهُ وَرَاءَكَ، وَلَوِ اقْتَحَمْتَ النَّارَ لاقْتَحَمْتُهَا حَتَّى أَقْتُلَكَ، فَقَدِمَ الرَّسُولُ عَلَى أَبِي مُسْلِمٍ وَلَحِقَهُ بِحُلْوَانَ، فَاسْتَشَارَ أَبُو مُسْلِمٍ خَاصَّتَهُ، فَقَالُوا: احْذَرْهُ، فَلَمَّا طَلَبَ الرَّسُولُ الْجَوَابَ قَالَ: ارْجِعْ إِلَى صَاحِبَكَ فَلَسْتُ آتِيهِ وَقَدْ عَزَمْتُ عَلَى خِلافِهِ، قَالَ: لا تَفْعَلْ، لا تَفْعَلْ، فَلَمَّا آيَسَهُ بَلَّغَهُ قَوْلُ الْمَنْصُورِ، فَوَجَمَ لَهَا وَأَطْرَقَ مُنْكِرًا، ثُمَّ قَالَ: قُمْ، وَانْكَسَرَ لِذَلِكَ الْقَوْلِ وَارْتَاعَ.
وَكَانَ الْمَنْصُورُ قَدْ كَتَبَ إِلَى نَائِبِ أَبِي مُسْلِمٍ عَلَى خُرَاسَانَ فَاسْتَمَالَهُ، وَقَالَ: لَكَ إِمْرَةَ خُرَاسَانَ، فَكَتَبَ نَائِبُ خُرَاسَانَ أَبُو دَاوُدَ خَالِدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ يَقُولُ: إِنَّا لَمْ نَقُمْ لِمَعْصِيَةِ خُلَفَاءِ اللَّهِ وَأَهْلِ الْبَيْتِ فَلا تُخَالِفَنَّ إِمَامَكَ، فَوَافَاهُ كِتَابُهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَزَادَهُ رُعْبًا وَهَمًّا، ثُمَّ أَرْسَلَ مَنْ يَثِقْ بِهِ مِنْ أُمَرَائِهِ إِلَى الْمَنْصُورِ، فَلَمَّا قَدِمَ تَلَقَّاهُ بَنُو هَاشِمٍ بِكُلِّ مَا يَسُرُّ، وَاحْتَرَمَهُ الْمَنْصُورُ، وَقَالَ: اصْرِفْهُ عَنْ وَجْهِهِ وَلَكَ إِمْرَةَ خُرَاسَانَ، فَرَجَعَ وَقَالَ لِأَبِي مُسْلِمٍ: طَيِّبْ قَلْبَكَ لَمْ أَرَ مَكْرُوهًا إِنِّي رَأَيْتُهُمْ مُعْظِمِينَ لحقك، فارجع -[602]- وَاعْتَذِرْ، فَأَجْمَعَ عَلَى الرُّجُوعِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو إِسْحَاقَ أَحَدُ قُوَّادِهِ مُتَمَثِّلا:
مَا لِلرِّجَالِ مَعَ الْقَضَاءِ مَحَالَةٌ ... ذَهَبَ الْقَضَاءُ بِحِيلَةِ الأَقْوَامِ
خَارَ اللَّهُ لَكَ، احْفَظْ عَنِّي وَاحِدَةً: إِذَا دَخَلْتَ إِلَى الْمَنْصُورِ فَاقْتُلْهُ ثُمَّ بَايِعْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّ النَّاسَ لا يُخَالِفُونَكَ.
وَرَوَى بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمَنْصُورَ كَتَبَ إِلَى مُوسَى بْنِ كَعْبٍ بِوِلايَةِ خُرَاسَانَ، وَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ: هَذَا ابْنُ كعب من دونك بمن معه من شعيتنا وَأَنَا مُوَجِّهٌ لِلِقَائِكَ أَقْرَانِكَ فَاجْمَعْ كَيْدَكَ غَيْرَ مُوَفَّقٍ وَحَسْبُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهَ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَشَاوَرَ أَبُو مُسْلِمٍ أَبَا إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَقَالَ: مَا الرَّأْيُ؟ فَهَذَا مُوسَى بْنُ كَعْبٍ مِنْ هُنَا، وَهَذِهِ سُيُوفُ أَبِي جَعْفَرٍ مِنْ خَلْفِنَا، وَقَدْ أَنْكَرْتُ مَنْ كُنْتُ أَثِقُ بِهِ مِنْ قُوَّادِي، فَقَالَ: هَذَا رَجُلٌ يَضْطَغِنُ عَلَيْكَ أُمُورًا قَدِيمَةً فَلَوْ كُنْتَ وَالَيْتَ رَجُلا مِنْ آلِ عَلِيٍّ كَانَ أَقْرَبُ، وَلَوْ أَنَّكَ قَبِلْتَ إِمْرَةَ خُرَاسَانَ مِنْهُ كُنْتَ فِي فَسْحَةٍ مِنْ أَمْرِكَ وَكُنْتَ اخْتَلَسْتَ رَجُلا مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ فَنَصَّبْتَهُ إِمَامًا فَاسْتَمَلْتَ بِهِ الْخُرَاسَانِيَّةَ وَأَهْلَ الْعِرَاقِ وَرَمَيْتَ أَبَا جَعْفَرٍ بِنَظِيرِهِ لَكُنْتَ عَلَى طَرِيق التَّدْبِيرِ، أَتَطْمَعُ أَنْ تُحَارِبَ أَبَا جَعْفَرٍ وَأَنْتَ بِحُلْوَانَ وَجَيْشُهُ بِالْمَدَائِنِ، وَهُوَ خَلِيفَةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، لَيْسَ مَا ظَنَنْتَ لَكِنْ مَا بَقِيَ لَكَ إِلا أَنْ تَكْتُبَ إِلَى قُوَّادِكَ وَتَفْعَلَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: هَذَا رَأْيٌ إِنْ وَافَقَنَا عَلَيْهِ قُوَّادُنَا، قَالَ: فَمَا دَعَاكَ إِلَى أَنْ تَخْلَعَ أَبَا جَعْفَرٍ وَأَنْتَ عَلَى غَيْرِ ثِقَةٍ مِنْ قَوَّادِكَ! أَنَا أَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ مِنْ قَتِيلٍ، أَرَى أَنْ تُوَجِّهَ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ تَسْأَلُهُ الأَمَانَ فَإِمَّا صَفْحٌ وَإِمَّا قَتْلٌ عَلَى عِزٍّ قَبْلَ أَنْ تَرَى الْمَذَلَّةَ مِنْ عَسْكَرِكَ، إِمَّا قَتَلُوكَ وَإِمَّا أَسْلَمُوكَ.
قَالَ: فَسَفَرَتِ السُّفَرَاءُ بَيْنَهُمَا، وَأَعْطَاهُ أَبُو جَعْفَر أَمَانًا مُؤَكَّدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو مُسْلِمٍ لِحِينِهِ، ثُمَّ بَعَثَ الْمَنْصُورُ أَمِيرًا إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ لِيَتَلَقَّاهُ وَلا يُظْهِرُ أَنَّهُ مِنْ جِهَةِ الْمَنْصُورِ لِيُطَمْئِنَهُ وَيَذْكُرُ حُسْنَ نِيَّةِ الْخَلِيفَةِ لَهُ، فَلَمَّا أَتَاهُ وَحَدَّثَهُ فَرِحَ الْمَغْرُورُ وَانْخَدَعَ، فَلَمَّا وَصَلَ الْمَدَائِنَ أَمَرَ الْمَنْصُورُ الأَعْيَانَ فَتَلَقَّوْهُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ سَلَّمَ قَائِمًا، فَقَالَ الْمَنْصُورُ: انْصَرِفْ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَاسْتَرِحْ وَادْخُلِ الْحَمَّامَ، ثُمَّ اغْدُ عَلَيَّ، فَانْصَرَفَ، وَكَانَ مِنْ نِيَّةِ الْمَنْصُورِ أَنْ يَقْتُلَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَمَنَعَهُ وَزِيرُهُ أَبُو أَيُّوبَ، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: فَدَخَلْتُ بَعْدَ خُرُوجِهِ وَقَالَ لِيَ الْمَنْصُورُ: أَقْدِرُ عَلَى هَذَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ قَائِمًا عَلَى رِجْلَيْهِ وَلا أَدْرِي ما -[603]- يَحْدُثُ فِي لَيْلَتِي، وَكَلَّمَنِي فِي الْفَتْكِ بِهِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ فَكَّرْتُ، فَقَالَ: يَا ابن اللَّخْنَاءِ لا مَرْحَبًا بِكَ أَنْتَ مَنَعْتَنِي مِنْهُ أَمْسَ وَاللَّهِ مَا غَمَضْتُ الْبَارِحَةَ، ادْعُ لِي عُثْمَانَ بْنَ نَهِيكٍ، فَدَعَوْتُهُ، فَقَالَ: يَا عُثْمَانُ كيف بلاء أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَكَ؟ قَالَ: إِنَّمَا أَنَا عَبْدُكَ وَلَوْ أَمَرْتَنِي أَنْ أَتَّكِئَ عَلَى سَيْفِي حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ ظَهْرِي لَفَعَلْتُ، قَالَ: كَيْفَ أَنْتَ إِذَا أَمَرْتُكَ بِقَتْلِ أَبِي مُسْلِمٍ؟ فَوَجَمَ لَهَا سَاعَةً لا يَتَكَلَّمُ، فَقُلْتُ: مَا لَكَ لا تَتَكَلَّمُ! فَقَالَ قَوْلةً ضَعِيفَةً: أَقْتُلُهُ، فَقَالَ: انْطَلِقِ اذْهَبْ فَجِئْ بِأَرْبَعَةً مِنْ وُجُوهِ الْحَرَسِ وَشُجْعَانِهِمْ، فَذَهَبَ فَأَحْضَرَ شَبِيبُ بْنُ وَاجٍ وَثَلاثَةٌ فَكَلَّمَهُمْ، فَقَالُوا: نَقْتُلُهُ، فَقَالَ: كُونُوا خَلْفَ الرِّوَاقِ فَإِذَا صَفَّقْتُ فَدُونُكُمُوهُ، ثُمَّ طَلَبَ أَبَا مُسْلِمٍ فَأَتَاهُ، وَخَرَجْتُ لِأَنْظُرَ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَتَلَقَّانِي أَبُو مُسْلِمٍ دَاخِلا، فَتَبَسَّمَ وَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَدَخَلَ فَرَجَعْتُ فَإِذَا بِهِ مَقْتُولٌ، قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ أَبُو الْجَهْمِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَلا أَرُدَّ النَّاسَ؟ قَالَ: بَلَى، فَأَمَرَ بِمَتَاعٍ يُحَوَّلُ إِلَى رِوَاقٍ آخَرَ وَفُرُشٍ، وَقَالَ أَبُو الْجَهْمِ لِلنَّاسِ: انْصَرِفُوا فَإِنَّ الأَمِيرَ أَبَا مُسْلِمٍ يُرِيدُ أَنْ يُقِيلَ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَرَأَوُا الْمَتَاعَ يُنْقَلُ فَظَنُّوهُ صَادِقًا فَانْصَرَفُوا، وَأَمَرَ الْمَنْصُورُ لِلأُمَرَاءِ بِجَوَائِزِهِمْ، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: فَقَالَ لِيَ الْمَنْصُورُ: دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو مُسْلِمٍ فَعَاتَبْتُهُ، ثُمَّ شَتَمْتُهُ فَضَرَبَهُ عُثْمَانُ بْنُ نَهِيكٍ فَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا وَخَرَجَ شَبِيبُ بْنُ وَاجٍ وَأَصْحَابَهُ فَضَرَبُوهُ فَسَقَطَ، فَقَالَ وهم يضربونه: العفو، فقلت: يا ابن اللَّخْنَاءِ الْعَفْوَ وَالسُّيُوفُ قَدِ اعْتَوَرَتْكَ، ثُمَّ قُلْتَ: اذْبَحُوهُ، فَذَبَحُوهُ، وَقِيلَ: إِنَّهُ أُلْقِيَ فِي دِجْلَةَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: خَلُّوهُ، فَقَالَ الْمَنْصُورُ: أَخْبِرْنِي عَنْ سَيْفَيْنِ أَصَبْتَهُمَا فِي مَتَاعِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ، فَقَالَ: هَذَا أَحَدُهُمَا، قَالَ: أَرِنِيهِ فَانْتَضَاهُ فَنَاوَلَهُ، فَهَزَّهُ الْمَنْصُورُ، ثُمَّ وَضَعَهُ تَحْتَ فِرَاشِهِ وَأَقْبَلَ يُعَاتِبُهُ، وَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ كِتَابِكَ إِلَى أَخِي أَبِي الْعَبَّاسِ تنهاه عن الموات أَرَدْتَ أَنْ تُعَلِّمَنَا الدِّينَ؟ قَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّ أَخْذَهُ لا يَحِلُّ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ تَقَدُّمِكَ إِيَّايَ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ، قَالَ: كَرِهْتُ اجْتِمَاعَنَا عَلَى الْمَاءِ فَيَضُرُّ ذَلِكَ بِالنَّاسِ، قَالَ: فَجَارِيةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ أَرَدْتَ أَنْ تَتَّخِذَهَا؟ قَالَ: لا، وَلَكِنْ خِفْتُ أَنْ تَضِيعَ فَحَمَلْتُهَا فِي قُبَّةٍ، وَوَكَّلْتُ بِهَا مَنْ يَحْفَظُهَا، قَالَ: فَمُرَاغَمَتِكَ وَخُرُوجِكَ إِلَى خُرَاسَانَ؟ قَالَ: خِفْتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ دَخَلَكَ مِنِّي شَيْءٌ، فَقُلْت: أَذْهَبُ إليها وأكتب إليك -[604]- بعذري، والآن قد ذهب مَا فِي نَفْسِكَ عَلَيَّ، قَالَ: تَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ قَطُّ وَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى يَدِهِ فَخَرَجُوا عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ قَالَ لَهُ: ألَسْتَ الْكَاتِبُ إِلَيَّ تَبْدَأُ بِنَفْسِكَ، وَالْكَاتِبُ إِلَيَّ تَخْطُبُ عمتي أمينة وتزعم أنك ابن سُلَيْطِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَمَا الَّذِي دَعَاكَ إِلَى قَتْلِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ مَعَ أَثَرِهِ فِي دَعْوَتِنَا، وَهُوَ أَحَدُ نُقَبَائِنَا! فَقَالَ: عَصَانِي وَأَرَادَ الْخِلافَ عَلَيَّ فَقَتَلْتُهُ، فَقَالَ: فَأَنْتَ تُخَالِفُ عَلَيَّ! قَتَلَنِي اللَّهُ إِنْ لَمْ أَقْتُلْكَ، وَضَرَبَهُ بِعَمُودٍ، ثُمَّ وَثَبُوا عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لِخَمْسٍ بَقَيْنَ مِنْ شَعْبَانَ.
قَالَ: وَكَانَ أَبُو مُسْلِمٍ قَدْ قَتَلَ فِي دَوْلَتِهِ وَفِي حُرُوبِهِ ست مائة أَلْفٍ صَبْرًا، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا سَبَّهُ الْمَنْصُورُ انْكَبَّ عَلَى يَدِهِ يُقَبِّلُهَا وَيَعْتَذِرُ، وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ ضَرَبَهُ عُثْمَانُ، فَمَا صَنَعَ أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهُ قَطَعَ حَمَائِلَ سَيْفِهِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمَؤْمِنِينَ اسْتَبْقِنِي لِعَدُوِّكَ، قَالَ: إِذًا لا أَبْقَانِي اللَّهُ، وَأَيُّ عَدُوٍّ أَعْدَى لِي مِنْكَ، ثُمَّ هَمَّ الْمَنْصُورُ بِقَتْلِ أَبِي إِسْحَاقَ صَاحِبِ حَرَسِ أَبِي مُسْلِمٍ وَبِقَتْلِ نَصْرِ بْنِ مَالِكٍ، فَكَلَّمَهُ فِيهِمَا أَبُو الْجَهْمِ وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ جُنْدُهُ جُنْدُكَ، أَمَرْتَهُمْ بِطَاعَتِهِ فَأَطَاعُوهُ، ثُمَّ أَجَازَهُمَا وَأجَازَ جَمَاعَةً مِنْ كِبَارِ قُوَّادِهِ بِالْجَوَائِزِ السَّنِيَّةَ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ كَتَبَ بِعَهْدِ خَالِدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَى خُرَاسَانَ وَمَا وَرَاءَهَا.
قَالَ خَلِيفَةُ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنُ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: قَتَلَهُ الْمَنْصُورُ، وَهُوَ فِي سُرَادِقٍ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى عِيسَى بْنِ مُوسَى فَجَاءَ فَأَعْلَمَهُ فَأَعْطَاهُ الرَّأْسَ وَالْمَالَ، فَخَرَجَ بِهِ وَنَثَرَ الْمَالَ عَلَى الْخُرَاسَانِيَّةَ فَتَشَاغَلُوا بِالذَّهَبِ.
وَفِيهَا خَرَجَ سِنْبَاذُ بِخُرَاسَانَ لِلطَّلَبِ بِثَأْرِ أَبِي مُسْلِمٍ، وَكَانَ سِنْبَاذٌ مَجُوسِيًّا تَغَلَّبَ عَلَى نَيْسَابُورَ وَالرَّيِّ، وَأَخَذَ خَزَائِنَ أَبِي مُسْلِمٍ وَتَقَوَّى بِهَا، فَجَهَّزَ الْمَنْصُورُ لِحَرْبِهِ جَهْوَرَ بْنَ مَرَّارٍ الْعِجْلِيَّ فِي عَشَرَةِ آلافٍ فَكَانَتِ الْوَقْعَةُ بَيْنَ الرَّيِّ وَهَمَذَانَ، وَكَانَتْ مَلْحَمَةً مُهَوِّلَةً فَهُزِمَ سِنْبَاذٌ وقُتِلَ مِنْ جَيْشِهِ نَحْوٌ مِنْ سِتِّينَ أَلْفًا، وَكَانَ غَالِبُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجِبَالِ، وَسُبِيَتْ ذَرَارِيهِمْ، ثُمَّ قُتِلَ سِنْبَاذٌ بِقُرْبِ طَبَرِسْتَانَ. -[605]-
وَفِيهَا خَرَجَ مُلَبَّدُ بْنُ حَرْمَلَةَ الشَّيْبَانِيُّ مُحَكِّمًا بِنَاحِيَةِ الْجِزِيرَةِ، فَانْتَدَبَ لِقِتَالِهِ أَلْفَ فَارِسٍ مِنْ عَسْكَرِ النَّاحِيَةِ فَهَزَمَهُمْ مُلَبَّدٌ، ثُمَّ الْتَقَاهُ عَسْكَرُ الْمَوْصِلِ فَهَزَمَهُمْ، ثُمَّ سَارَ لِحَرْبِهِ يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ الْمُهَلَّبِيُّ، فَهَزَمَهُ مُلَبَّدٌ وَاسْتَفْحَلَ شَرُّهُ، ثُمَّ جَهَّزَ الْمَنْصُورُ لِحَرْبِهِ مُهَلْهَلَ بْنَ صَفْوَانَ فِي أَلْفَيْنِ نَقَاوَةً فَهَزَمَهُمْ مُلَبَّدٌ وَاسْتَوْلَى عَلَى عَسْكَرِهِمْ، ثُمَّ وَجَّهَ إِلَيْهِ جَيْشًا آخَرَ فَهَزَمَهُمْ، وَعَظُمَتْ هَيْبَتُهُ وَبَعُدَ صِيتُهُ، فَسَارَ لِحَرْبِهِ جَيْشٌ لَجِبٌ، وَعِدَّةُ قُوَّادٍ فَهَزَمَهُمْ، وَتَحَصَّنَ مِنْهُ حُمَيْدُ بْنُ قُحْطُبَةَ وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ لِيَكُفَّ عَنْهُ.
وَأَمَّا الْوَاقِدِيُّ، فَذَكَر أَنَّ خُرُوجَ مُلَبَّدٍ كَانَ فِي الْعَامِ الآتِي.
وَمَاتَ أَمِيرُ مَكَّةَ الْعَبَّاسُ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِعبَدِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ زِيَادُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيُّ، وَوَلِيَ إِمْرَةَ مِصْرَ الأَمِيرُ صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَبَّاسِيُّ.

-سنة سبع وأربعين ومائة.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ.
فِيهَا تُوُفِّيَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ الْهَاشِمِيُّ، وَحَبِيبُ بْنُ صَالِحٍ الْحِمْصِيُّ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ سُلَيْمٍ قَاضِي حِمْصٍ، وَالصَّلْتُ بْنُ بَهْرَامٍ الْكُوفِيُّ، وَطَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى التَّيْمِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدَ فِي قَوْلٍ، وَعَمُّ الْمَنْصُورِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَبْدُ الأَعْلَى بْنُ مَيْمُونَ بْنِ مَهْرَانَ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ، وَعُثْمَانُ بْنُ الأَسْوَدِ بِخُلْفٍ، وَعُتْبَةُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ الأَزْدِيُّ، وَقُرَّةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَيْوِيلٍ، وَهِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ بِالْبَصْرَةِ، وَأَبُو جَنَابٍ الْكَلْبِيُّ يَحْيَى بْنُ أَبِي حَيَّةَ فِي قَوْلٍ، وَيَزِيدُ بْنُ حَازِمٍ أَخُو جَرِيرٍ.
وَفِيهَا بَدَّعَتِ التُّرْكُ بِنَاحِيَةِ أَرْمِينِيَّةِ، وَقَتَلُوا أُمَمًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَدَخَلُوا تَفْلِيسَ، وَكَانَ حرب بن عبد الله الريوندي الَّذِي تُنْسَبُ إِلَيْهِ الْحَرْبِيَّةُ مِنْ بَغْدَادَ، مُقِيمًا بِالْمَوْصِلِ فِي أَلْفَيْنِ، لِمَكَانِ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ بِالْجَزِيرَةِ، وَكَانَ الْمَنْصُورُ قَدْ وَجَّهَ إِلَى الْمَوْصِلِ جِبْرِيلَ بْنَ يَحْيَى فِي عَسْكَرٍ، فَانْضَمُّوا كُلُّهُمْ وَقَصَدُوا التُّرْكَ فَالْتَقَوْا، فَانْهَزَمَ جِبْرِيلُ، وَقُتِلَ حَرْبٌ.
وَذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّوْفَلِيُّ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ الْمَنْصُورَ حَجَّ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ. وَعَزَلَ عَنِ الْكُوفَةِ عِيسَى بْنَ مُوسَى، وَطَلَبَهُ إِلَى بَغْدَادَ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ سِرًّا، ثُمَّ قَالَ: يَا عِيسَى، إِنَّ هَذَا أَرَادَ أَنْ يُزِيلَ النِّعْمَةَ عَنِّي وَعَنْكَ، وَأَنْتَ وَلِيُّ عَهْدِي بَعْدَ الْمَهْدِيِّ، وَالْخِلافَةُ صَائِرَةٌ إِلَيْكَ، فَخُذْهُ -[803]- وَاقْتُلْهُ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَخُورَ أَوْ تَضْعُفَ، وَسَلِّمْهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنْ طُرُقِ الْحَجِّ يَسْأَلُهُ: مَا فَعَلْتَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: قَدْ أَنْفَذْتَ مَا أَمَرْتَ بِهِ، فَلَمْ يَشُكَّ أَنَّهُ قَتَلَهُ، وَكَانَ عِيسَى قَدْ سَتَرَهُ عِنْدَهُ، وَدَعَا كَاتِبَهُ يُونُسَ بْنَ فَرْوَةَ فَقَالَ: مَا تَرَى؟ قَالَ: أَمَرَكَ بِقَتْلِهِ سِرًّا، وَيَدَّعِيهِ عَلَيْكَ عَلانِيَةً، ثُمَّ يُقَيِّدُكَ بِهِ. قَالَ: فَمَا الرَّأْيُ؟ قَالَ: أُستُرْهُ وَاخْفِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَنْصُورَ دَسَّ إِلَى عُمُومَتِهِ مَنْ يُحَرِّكُهُمْ عَلَى مَسْأَلَةِ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ، فَكَلَّمُوا الْمَنُصوَر، فَقَالَ: عَلَيَّ بِعِيسَى، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتَ أَنِّي دَفَعْتُ إِلَيْكَ عَمِّي لِيَكُونَ فِي مَنْزِلِكَ، قَالَ قَدْ فَعَلْتُ، قَالَ: قَدْ كَلَّمَنِي فِيهِ أَعْمَامِي، فرأيت الصفح عنه، فقال: أولم تَأْمُرْنِي بِقَتْلِهِ؟ قَالَ: لا، قَالَ: قَدْ أَمَرْتَنِي بِقَتْلِهِ!. قَالَ: كَذَبْتَ، فَقَالَ لِعُمُومَتِهِ إِنَّ هَذَا قَدْ أَقَرَّ لَكُمْ بِقَتْلِ أَخِيكُمْ قَالُوا: فَادْفَعْهُ إِلَيْنَا نَقْتُلُهُ بِهِ قَالَ: فَشَأْنُكُمْ بِهِ، فَأَخْرَجُوهُ إِلَى الرَّحْبَةِ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ، وَشَهَرَ الأَمْرُ، فَقَامَ أَحَدُهُمْ، وَشَهَرَ سَيْفَهُ، فَقَالَ لَهُ عِيسَى: أَفَاعِلٌ أنت؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: لا تَعْجَلُوا، ثُمَّ أَحْضَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيٍّ وَقَالَ لِلْمَنْصُورِ: شَأْنُكَ بِعَمِّكَ، قَالَ: فَأَدْخِلُوهُ حَتَّى أَرَى فِيهِ رَأْيِي، فجعله في بيت، ثم كان من أَمْرُهُ مَا كَانَ.
وَفِيهَا خَلَعَ الْمَنْصُورُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ وِلايَةِ الْعَهْدِ بَعْدَهُ عِيسَى بْنَ مُوسَى، الَّذِي حَارَبَ لَهُ الأَخَوَيْنَ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدًا، وَظَفَرَ بِهِمَا، وَتَوَطَّدَ مُلْكُ الْمَنْصُورِ بِهِمَّةِ عِيسَى، فَكَافَأَهُ وَخَلَعَهُ مُكْرَهًا مِنْ وِلايَةِ الْعَهْدِ، وَقَدَّمَ عَلَيْهِ وَلَدَهُ الْمَهْدِيَّ، فَقِيلَ: إِنَّهُ أَرْضَى عِيسَى بِأَنْ جَعَلَهُ وَلِيَّ الْعَهْدِ بَعْدَ ابْنِهِ الْمَهْدِيِّ.
وَكَانَ السَّفَّاحُ لَمَّا احْتَضَرَ جَعَلَ الْخِلافَةَ لِلْمَنْصُورِ، ثُمَّ بَعْدَهُ لِعِيسَى، وَقَدْ لاطَفَهُ الْمَنْصُورُ، وَكَلَّمَهُ بِأَلْيَنِ الْكَلامِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَكَيْفَ بِالأَيْمَانِ وَالْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ الَّتِي عَلَيَّ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا رَأَى الْمَنْصُورُ امْتِنَاعَهُ تَغَيَّرَ لَهُ، وَأَعْرَضَ عَنْهُ، وَجَعَلَ يُقَدِّمُ الْمَهْدِيَّ عَلَيْهِ فِي الْمَجَالِسِ، ثُمَّ شَرَعَ الْمَنْصُورُ يَدُسُّ مَنْ يَحْفُرُ عَلَيْهِ بَيْتَهُ لِيَسْقُطَ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ يَتَحَفَّظُ وَيَتَمَارَضُ.
وَقِيلَ: بَلْ سَقَاهُ الْمَنْصُورُ فَاسْتَأْذَنَ فِي الذَّهَابِ إِلَى الْكُوفَةِ لِيَتَدَاوَى، -[804]- وَكَانَ الَّذِي جَرَّأَهُ عَلَى ذَلِكَ طَبِيبُهُ بَخْتَيَشُوعُ، وَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ مَا أَجْسُرُ عَلَى مُعَالَجَتِكَ، وَمَا آمَنُ عَلَى نَفْسِي، فَأَذِنَ لَهُ الْمَنْصُورُ، وَبَلَغَتِ الْعِلَّةُ مِنْ عِيسَى كُلَّ مَبْلَغٍ، حَتَّى تَمَعَّطَ شَعْرُهُ، ثُمَّ إِنَّهُ نَصَلَ مِنْ عِلَّتِهِ، ثُمَّ سَعَى مُوسَى وَلَدُ عِيسَى بْنُ مُوسَى فِي أَنْ يُطِيعَ أَبُوهُ الْمَنْصُورَ، خَوْفًا عَلَيْهِ مِنْهُ وَعَلَى نَفْسِهِ، وَدَبَّرَ حِيلَةً أَوْحَاهَا إِلَى الْمَنْصُورِ، فَقَالَ: مُرْ بِخَنْقِي قُدَّامَ أَبِي إِنْ لَمْ يَخْلَعْ نَفْسَهُ، قَالَ: فَبَعَثَ الْمَنْصُورُ، مَنْ فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ، فَصَاحَ أَبُوهُ وَأَذْعَنَ بِخَلْعِ نَفْسِهِ، وَقَالَ: هَذِهِ يَدِي بِالْبَيْعَةِ لِلْمَهْدِيِّ، وَأُشْهِدُكَ أَنَّ نُسْوَانِي طَوَالِقُ، وَعَبِيدِي أَحْرَارٌ، وَمَا أَمْلِكُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْمَنْصُورَ لَمَّا أراد البيعة لِلْمَهْدِيِّ بِالْعَهْدِ، تَكَلَّمَ الْجُنْدُ فِي ذَلِكَ فَكَانَ عِيسَى إِذَا رَكِبَ يُسْمِعُونَهُ مَا يَكْرَهُ، فَشَكَاهُمْ إِلَى الْمَنْصُورِ، فَلَمْ يَمْنَعْ فِي الْبَاطِنِ، وَمَنَعَ فِي الظَّاهِرِ، فَأَسْرَفُوا، حَتَّى خَلَعَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ.
وَقِيلَ: إِنَّ خَالِدَ بْنَ بَرْمَكٍ مَضَى إِلَيْهِ فِي ثَلاثِينَ نَفْسًا بِرِسَالَةِ الْمَنْصُورِ، فَامْتَنَعَ، فَجَاءَ خَالِدٌ وَقَالَ: قَدْ خَلَعَ نَفْسَهُ، وَاسْتَشْهَدَ أُولَئِكَ الثَّلاثِينَ، فَشَهِدُوا عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: بَلْ بَذَلَ لَهُ المنصور على خلع نفسه خمس مائة أَلْفِ دِينَارٍ حَتَّى فَعَلَ.
وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ الْمَنْصُورُ محمد ابن السَّفَّاحِ عَلَى الْبَصْرَةِ، فَاسْتَعْفَى مِنْهَا، فَأَعْفَاهُ، وَانْصَرَفَ إِلَى بَغْدَادَ فَمَاتَ بِهَا.

-سنة سبع وخمسين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ
تُوُفِّيَ فِيهَا قَاضِي مَرْوَ الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ فِي قَوْلٍ، وَطَلْحَةُ بْنُ سَعِيدٍ الإِسْكَنْدَرَانِيُّ، وَعَامِرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْحَارِثِيُّ الأَمِيرُ، وَفَقِيهُ الشَّامِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو الأوزاعي، وعمر بن صهبان، ومحمد بن عبد الله ابن أَخِي الزُّهْرِيُّ، وَمُصْعَبُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي قَوْلٍ، وَيُوسُفُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ، وَأَبُو مِخْنَفٍ لُوطٌ فِي قَوْلٍ.
وَفِيهَا أَنْشَأَ الْمَنْصُورُ قَصْرَهُ الَّذِي سَمَّاهُ الْخُلْدَ، وَفِيهَا عَرَضَ جُيُوشَهُ فِي السِّلاحِ وَالْخَيْلِ، وَخَرَجَ هُوَ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ وَقَلَنْسُوَةٌ سَوْدَاءُ مُضَرَّبَةٌ، وَفَوْقَهَا الْخَوْذَةُ، وَنَقَلَ الأَسْوَاقَ مِنْ بَغْدَادَ، وَعُمِلَتْ بِظَاهِرِهَا بِبَابِ الْكَرْخِ، وَأَمَرَ بِعَمَلِ ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ، وَوَسَّعَ شَوَارِعَ بَغْدَادَ، وَهَدَمَ دُورًا لِذَلِكَ.
وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ عَلَى الْبَصْرَةِ بَعْدَ مَوْتِ سَوَّارٍ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيَّ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى السِّنْدِ مَعْبدَ بْنَ خَلِيلٍ، وَصَرَفَ هِشَامَ بْنَ عَمْرٍو.
وَفِيهَا غَزَا الرُّومَ يَزِيدُ بْنُ أُسَيْدٍ السُّلَمِيُّ، فَوَجَّهَ عَلَى بَعْضِ جَيْشِهِ سِنَانًا مَوْلَى الْبَطَّالِ، فسبى وغنم.

-سنة سبع وستين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا مَاتَ: أَبُو يزيد أنيس بْنُ عِمْرَانَ الرُّعَيْنِيُّ الْمِصْرِيُّ، وَكَاتِبُ السِّرِّ لِلْهَادِي أَبَانُ بْنُ صَدَقَةَ، مَاتَ بِجُرْجَانَ، وَبَشَّارُ بْنُ برد الشاعر قتل، والحسن بن أبي جعفر الجفري، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنُ حَيٍّ الْفَقِيهُ، وَجَعْفَرُ بْنُ زِيَادٍ الأَحْمَرُ فِي قَوْلٍ، وَحَمَّادُ بْنُ سلمة شيخ البصرة، وداود بن أبي الْفُرَاتِ الْبَصْرِيُّ، وَالرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ الْجُمَحِيُّ الْبَصْرِيُّ، وَالسَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى الْبَصْرِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ الْبَصْرِيُّ أَخُو حَمَّادٍ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ التَّنُوخِيُّ شَيْخُ دِمَشْقَ، وَسُوَيْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَصْرِيُّ، وَسَلامُ بْنُ مِسْكِينٍ الْبَصْرِيُّ، وَأَبُو أُوَيْسٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ بِالإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ الْقَسْمَلِيُّ، وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي الصَّهْبَاءِ فِي قَوْلٍ، وَالأَمِيرُ عِيسَى بْنُ مُوسَى الْعَبَّاسِيُّ بِالْكُوفَةِ في ذي الحجة، والقاسم بن الفضل الحداني، وَمُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ الْكُوفِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ سَلْمَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَطَاءِ بْنِ مُقَدِّمٍ الْبَصْرِيُّ، وَأَبُو حَمْزَةَ مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ السُّكَّرِيُّ الْمَرْوَزِيُّ، وَمُفَضَّلُ بْنُ مُهَلْهَلٍ الْكُوفِيُّ، وَأَبُو عُقَيْلٍ يَحْيَى بْنُ الْمُتَوَكِّلِ الْبَصْرِيُّ، وَأَبُو هِلالٍ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمٍ الرَّاسِبِيُّ الْبَصْرِيُّ، وَمَخْلَدٌ الشَّيْبَانِيُّ وَالِدُ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ، وَأَبُو الرَّبِيعِ السَّمَّانُ أَشْعَثُ بْنُ سَعِيدٍ، وَيَحْيَى بْنُ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ الْكُوفِيُّ فِي قَوْلٍ، وَأَبُو إِسْرَائِيلَ الْمُلائِيُّ وَاسْمُهُ إِسْمَاعِيلُ.
وَفيها جَدَّ الْمَهْدِيُّ فِي تَتَبُّعِ الزَّنَادِقَةِ وَالْبَحْثِ عَنْهُمْ فِي الآفَاقِ، وَقَتَلَ عَلَى التُّهْمَةِ.
وَفِيهَا عَزَلَ الْمَهْدِيُّ عَنْ دِيوَانِ الرَّسَائِلِ أَبَا عُبَيْدِ اللَّهِ الأَشْعَرِيَّ الَّذِي كَانَ وَزِيرَهُ، وَوَلاهُ الرَّبِيعَ الْحَاجِبَ، فَاسْتَنَابَ سَعِيدَ بْنَ وَاقِدٍ. -[281]-
وَفِيهَا كَانَ الطَّاعُونُ بِالْبَصْرَةِ وَبَغْدَادَ.
وَفِيهَا أَمَرَ الْمَهْدِيُّ بِالزِّيَادَةِ الْكُبْرَى فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَدَخَلَتْ فِي ذَلِكَ دُورٌ كَثِيرَةٌ، وَوَلِيَ الْبِنَاءَ يَقْطِينُ الأمير.
وفيها حج بالناس يحيى ابن الإمام إبراهيم.

-سنة سبع وسبعين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا مَاتَ: شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ الْمَدِينِيُّ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زَيْدٍ الزَّاهِدُ فِيمَا قِيلَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَابِرٍ الْحَنَفِيُّ الْيَمَامِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ، وَمُوسَى بْنُ أَعْيَنَ الْحَرَّانِيُّ، وَهَيَّاجُ بْنُ بِسْطَامٍ الْهَرَوِيُّ، وَيَزِيدُ بْنُ عَطَاءٍ الْيَشْكُرِيُّ مُعْتِقُ أَبِي عَوَانَةَ.
وفيها عزل الرشيد جعفرا الْبَرْمَكِيَّ عَنْ مِصْرَ بِإِسْحَاقَ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَعَزَلَ حَمْزَةَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ خُرَاسَانَ، وَوَلاهَا الْفَضْلَ بْنَ يَحْيَى الْبَرْمَكِيَّ، مَعَ سِجِسْتَانَ وَالرِّيِّ.
وَفِيهَا حَجَّ الرَّشِيدُ بِالنَّاسِ.

-سنة سبع وثمانين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ
فيها: أو في سنة ست بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، وَجَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى الْبَرْمَكِيُّ صلب، ورباح بن زيد الصَّنْعَانِيُّ، وَزَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الذَّارِعُ، وَعَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ فِي قَوْلٍ، وَعَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّازِيُّ فِي آخِرِهَا، وَعَبْدُ السَّلامِ بْنُ حَرْبٍ الْمُلائِيُّ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيُّ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ فِي رَجَبٍ، وَعَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ الْجَهْضَمِيُّ أَبُو نَصْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ السَّدُوسِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيُّ، وَمَرْحُومُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَصْرِيُّ، وَمُعَاذُ بْنُ مُسْلِمٍ النَّحْوِيُّ الْمُعَمَّرُ، وَمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ، وَيُوسُفُ بْنُ عَطِيَّةَ الصَّفَّارُ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ فِي قَوْلٍ.
وَفِيهَا مَقْتَلُ جَعْفَرٍ الْبَرْمَكِيِّ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي سَبَبِ قتلِهِ عَلَى أَقْوَالٍ، فَقِيلَ: إِنَّ جِبْرِيلَ بْنَ بُخْتِيشُوعَ الطَّبِيبَ قَالَ: إِنِّي لَقَاعِدٌ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الرَّشِيدِ، إذ أَتَى يَحْيَى بْنُ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ، وَكَانَ يَدْخُلُ بِلا إِذْنٍ، فَلَمَّا قَرُبَ سَلَّمَ فَرَدَّ عَلَيْهِ الرَّشِيدُ رَدًّا ضَعِيفًا، فَعَلِمَ يَحْيَى أَنَّ أمرهم قد تغير، فأقبل علي الرشيد، فقال: يَا جِبْرِيلُ، يَدْخُلُ عَلَيْكَ أَحَدٌ مَنْزِلَكَ بِلا إِذْنٍ؟ فَقُلْتُ: لا! قَالَ: فَمَا بَالُنَا يُدْخَلُ عَلَيْنَا بِلا إِذْنٍ؟ فَوَثَبَ يَحْيَى، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدَّمَنِي اللَّهُ قِبَلَكَ، وَاللَّهِ مَا هُوَ إِلا شَيْءٌ خَصَصْتَنِي بِهِ، وَالآنَ فَأَكُونُ فِي الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ أَهْلِ الإِذْنِ إِنْ أَمَرْتَنِي، فَاسْتَحْيَا الرَّشِيدُ، وَكَانَ مِنْ أَرَقِّ الْخُلَفَاءِ، وَأَطْرَقَ ثُمَّ قَالَ: مَا أَرَدْتُ مَا تَكْرَهُ، وَلَكِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ، قَالَ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُ لَمْ يَسْنَحْ لَهُ جَوَابٌ يَرْتَضِيهِ، ثُمَّ خَرَجَ يَحْيَى.
وَقِيلَ: إِنَّ ثُمَامَةَ بْنَ أَشْرَسَ قَالَ: أَوَّلُ مَا أَنْكَرَ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ مِنْ أَمْرِهِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ اللَّيْثِ رَفَعَ رِسَالَةً إِلَى الرَّشِيدِ يَعِظُهُ وَيَقُولُ: إِنَّ يَحْيَى لا يُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَقَدْ جَعَلْتَهُ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِكَ إِذَا وَقَفْتَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، -[785]- فَسَأَلَكَ عَمَّا عَمِلْتَ فِي عِبَادِهِ وَبِلادِهِ؟
فَدَعَا الرَّشِيدُ يَحْيَى، وَقَدْ بَلَغَتْهُ الرِّسَالَةُ، فَقَالَ: تَعْرِفُ مُحَمَّدَ بْنَ اللَّيْثِ؟ قَالَ: نَعَمْ، هُوَ مُتَّهَمٌ عَلَى الإِسْلامِ، فَأَمَرَ بِابْنِ اللَّيْثِ فَوُضِعَ فِي الْمُطْبَقِ دَهْرًا، فَلَمَّا تَنَكَّرَ الرَّشِيدُ لِلْبَرَامِكَةِ أَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ فَأَحْضَرَهُ، وَقَالَ لَهُ: أَتُحِبُّنِي؟ قَالَ: لا، وَاللَّهِ، قَالَ: أَتَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَضَعْتَ فِي رِجْلَيَّ الأَكْبَالَ، وَحُلْتَ بَيْنِي وَبَيْنَ عِيَالِي بِلا ذَنْبٍ سِوَى قَوْلِ حَاسِدٍ يَكِيدُ الإِسْلامَ وَأَهْلَهُ، وَيُحِبُّ الإِلْحَادَ وَأَهْلَهُ، فَأَطْلِقْهُ ثُمَّ قَالَ: أَتُحِبُّنِي؟ قَالَ: لا، وَلَكِنْ قَدْ ذَهَبَ مَا في قلبي، فَأَمَرَ لَهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ، ثُمَّ قَالَ: أَتُحِبُّنِي؟ قَالَ: نَعَمْ، قَدْ أَحْسَنْتَ إِلَيَّ، فَقَالَ: انْتَقَمَ اللَّهُ مِمَّنْ ظَلَمَكَ، وَأَخَذَ لَكَ مِمَّنْ بَعَثَنِي عَلَيْكَ.
قَالَ: فَقَالَ النَّاسُ فِي الْبَرَامِكَةِ فَأَكْثَرُوا. وَقِيلَ: إِنَّ يَحْيَى بْنَ خَالِدٍ دَخَلَ بَعْدُ عَلَى الرَّشِيدِ، فَقَامَ الْغِلْمَانُ لَهُ، وَقَالَ الرَّشِيدُ لِمَسْرُورٍ: مُرْهُمْ لا يَقُومُونَ، قَالَ: فَدَخَلَ، فَمَا قام أحد فاربد لون يَحْيَى.
وَقِيلَ: إِنَّ سَبَبَ قَتْلِ جَعْفَرٍ أَنَّ الرَّشِيدَ سَلَّمَ لَهُ يَحْيَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ، فَرَقَّ لَهُ بَعْدَ قَلِيلٍ وَأَطْلَقَهُ.
وَكَانَ ابْنُ حَسَنٍ مَرْبُوعًا، أَجْلَحَ، بَطِينًا، حَسَنَ الْعَيْنَيْنِ، فَأَتَى رَجُلٌ بِصِفَتِهِ وَهَيْئَتِهِ إِلَى الرَّشِيدِ، وَأَنَّهُ رَآهُ بِحُلْوَانَ، فَأَعْطَى الرَّجُلَ جَائِزَةً.
وَقِيلَ: إن جعفر بَنَى دَارًا أَنْفَقَ عَلَيْهَا عِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَسْرَفَ.
وَعَنْ مُوسَى بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ قَالَ: اعْتَمَرَ أَبِي فِي الْعَامِ الَّذِي نُكِبَ فِيهِ وَأَنَا مَعَهُ، فَتَعَلَّقَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ ذُنُوبِي عَظِيمَةٌ لا يُحْصِيهَا غَيْرُكَ، إِنْ كُنْتَ مُعَاقِبِي فَاجْعَلْ عُقُوبَتِي فِي الدُّنْيَا، وَإِنْ أَحَاطَ ذَلِكَ بِسَمْعِي، وَبَصَرِي، وَمَالِي، وَوَلَدِي حَتَّى أَبْلُغَ رِضَاكَ، وَلا تَجْعَلْ عُقُوبَتِي فِي الآخِرَةِ، وَكَانَ مُوسَى هَذَا أَحَدَ الأَبْطَالِ الموصوفين، فقيل: إِنَّ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ قَدَحَ فِيهِ عِنْدَ الرَّشِيدِ، وَأَعْلَمَهُ طَاعَةَ أَهْلِ خُرَاسَانَ لَهُ وَمَحَبَّتَهُمْ إِيَّاهُ، وَأَنَّهُ يُكَاتِبُهُمْ وَيَعْمَلُ عَلَى الذَّهَابِ إِلَيْهِمْ، فَاسْتَوْحَشَ الرَّشِيدُ مِنْهُ.
ثُمَّ رَكِبَ مُوسَى دَيْنٌ فَاسْتَتَرَ مِنَ الْغُرَمَاءِ، فَتَوَهَّمَ الرَّشِيدُ أَنَّهُ سَارَ إِلَى خُرَاسَانَ، ثُمَّ ظَهَرَ فَحَبَسَهُ، فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ نَكْبَتِهِمْ، فَأَتَتْ زَوْجَةُ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ إِلَى الرَّشِيدِ وَلاطَفَتْهُ، فَقَالَ: يَضْمَنُهُ أَبُوهُ، فَضَمِنَهُ يَحْيَى. -[786]-
وَكَانَ الرَّشِيدُ قَدْ غَضِبَ عَلَى الْفَضْلِ بْنِ يَحْيَى لِتَرْكِهِ الشُّرْبَ مَعَهُ.
وَكَانَ الْفَضْلُ يَقُولُ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ شُرْبَ الْمَاءِ يُنْقِصُ مِنْ مُرُوءَتِي مَا شَرِبْتُهُ، وَكَانَ مَشْغُوفًا بِالسَّمَاعِ.
وَأَمَّا جَعْفَرٌ فَكَانَ يُنَادِمُ الرَّشِيدَ، وَأَبُوهُ يَأْمُرُهُ بِالإِقْلالِ من ذلك فيخالفه، وقد كان يحيى قال: يا أمير المؤمنين، أنا والله أكره مداخل جعفر معك، فلو اقْتَصَرْتَ بِهِ عَلَى الإِمْرَةِ دُونَ الْعِشْرَةِ، قَالَ: يا أبة، ليس هذا بك وَلَكِنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تُقَدِّمَ الْفَضْلَ عَلَيْهِ.
قَالَ ابن جرير: حدثني أحمد بن زهير، أظنه عَنْ عَمِّهِ زَاهِرِ بْنِ حَرْبٍ، أَنَّ سَبَبَ هَلاكِ الْبَرَامِكَةِ أَنَّ الرَّشِيدَ كَانَ لا يَصْبِرُ عَنْ جَعْفَرٍ، وَعَنْ أُخْتِهِ عَبَّاسَةَ بِنْتِ الْمَهْدِيِّ، قال: وكان يحضرهما مَجْلِسَ الشَّرَابِ، فَقَالَ: أُزَوِّجُكَهَا عَلَى أَنْ لا تمسها، فكانا يثملان من الشرب وهما شابان، فيقوم الرشيد، فيثب جَعْفَرٌ عَلَيْهَا، فَوَلَدَتْ مِنْهُ غُلامًا، فَخَافَتِ الرَّشِيدَ، فَوَجَّهَتْ بِالطِّفْلِ مَعَ حَوَاضِنَ إِلَى مَكَّةَ، وَاخْتَفَى الأَمْرُ، ثُمَّ ضَرَبَتْ جَارِيَةً لَهَا فَوَشَتْ بِهَا إِلَى الرَّشِيدِ، فَلَمَّا حَجَّ أَرْسَلَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي بِهِ الْحَوَاضِنُ، وَهَمَّ بِقَتْلِ الصَّبِيِّ، ثُمَّ تَأَثَّمَ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى الْحِيرَةِ، وَنَاحِيَةِ الأَنْبَارِ أَرْسَلَ لَيْلَةَ السَّبْتِ لانْسِلاخِ الْمُحَرَّمِ إِلَى مَسْرُورٍ الْخَادِمِ وَمَعَهُ أَبُو عِصْمَةَ وَأَجْنَادٌ، فَأَحَاطُوا بِجَعْفَرٍ لَيْلا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ مَسْرُورٌ، وَهُوَ فِي مَجْلِسِ لَهْوِهِ، فَأَخْرَجَهُ بِعُنْفٍ، وَقَيَّدَهُ بِقَيْدِ حِمَارٍ وَأَتَى بِهِ، فَأَعْلَمَ الرَّشِيدَ، فَأَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ، فَفَعَلَ.
وَحَدَّثَ مَسْرُورٌ قَالَ: وَقَعَ عَلَى رِجْلَيَّ يُقَبِّلُهَا، وَقَالَ: دَعْنِي أَدْخُلُ فَأُوصِي، قُلْتُ: لا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ، فَأَوْصِ بِمَا شِئْتَ، فَأَوْصَى، وَأَعْتَقَ مَمَالِيكَهُ، ثُمَّ ذَبَحْتُهُ بَعْدَ أَنْ رَاجَعْتُ الرَّشِيدَ فِيهِ، وَأَتَيْتُهُ بِرَأْسِهِ.
ثُمَّ وَجَّهَ الرَّشِيدُ جُنْدًا أَحَاطُوا بِأَبِيهِ، وَبِجَمِيعِ أَوْلادِهِ وَمَوَالِيهِ، وَأُخِذَتْ أَمْوَالُهُمْ وَأَمْلاكُهُمْ، وَكَتَبَ إِلَى سَائِرِ الْعُمَّالِ بِقَبْضِ مَالِهِمْ، وَبُعِثَتْ جُثَّةُ جَعْفَرٍ إِلَى بَغْدَادَ، فَنُصِبَتْ عَلَى خَشَبَةٍ، وَنُودِيَ أَلا لا أَمَانَ لِمَنْ آوَى أَحَدًا مِنَ الْبَرَامِكَةِ.
ثُمَّ أَمَرَ الرَّشِيدُ يَوْمَ دَخَلَ الرَّقَّةَ بِقَتْلِ أَنَسِ بْنِ أَبِي شَيْخٍ، فَقُتِلَ وَصُلِبَ عَلَى الزَّنْدَقَةِ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْبَرَامِكَةِ. -[787]-
وَذَكَر ابْنُ الصَّابِئِ فِي كِتَابِ " الأَمَاثِلِ وَالأَعْيَانِ " عَنْ إِسْحَاقَ الْمَوْصِلِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ قَالَ: خَلا جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى يَوْمًا بِنُدَمَائِهِ وَأَنَا فِيهِمْ، فَلَبِسَ الْحَرِيرَ، وَتَضَمَّخَ بِالطِّيبِ، وَفَعَلَ بنا مثله، فقدم إليه عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ صَالِحِ بْنِ عَلِيٍّ، فَدَخَلَ فِي رُصَافِيَّتِهِ وَسَوَادِهِ، فَارْبَدَّ وَجْهُ جَعْفَرٍ، فَدَعَا غُلامَهُ فَنَاوَلَهُ سَوَادَهُ وَقَلَنْسُوَتَهُ، وَأَتَى مَجْلِسَنَا، وَقَالَ: أَشْرِكُونَا مَعَكُمْ، فَأَلْبَسُوهُ حَرِيرًا، وَأُحْضِرَ لَهُ طَعَامٌ وَشَرَابٌ، فَقَالَ لِجَعْفَرٍ: وَاللَّهِ مَا شَرِبْتُهُ قَبْلَ الْيَوْمِ، فَلْيُخَفِّفْ عَلَيَّ، ثُمَّ ضُمِّخَ بِالْخَلُوقِ، فَنَادَمَنَا أَحْسَنَ مُنَادَمَةً، وَسُرِّيَ عَنْ جَعْفَرٍ، فَلَمَّا أَرَادَ الانْصِرَافَ قَالَ لَهُ: اذْكُرْ حَوَائِجَكَ فَإِنَّنِي مَا أَسْتَطِيعُ مُقَابَلَةَ مَا كَانَ مِنْكَ، قَالَ: فِي قَلْبِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيَّ مَوْجِدَةٌ فَتُخْرِجُهَا؟ قَالَ: قد رضي عنك أمير المؤمنين، قال: وعلي أربعة آلاف ألف دِرْهَمٍ دَيْنًا، قَالَ: قُضِيَ دَيْنُكَ، قَالَ: وَإِبْرَاهِيمُ ابْنِي أُحِبُّ أَنْ أُزَوِّجَهُ، قَالَ: قَدْ زَوَّجَهُ أمير المؤمنين بالعالية بنته، قال: وأوثر أن يُوَلَّى بَلَدًا، قَالَ: قَدْ وَلاهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إمرة مِصْرَ، فَخَرَجَ وَنَحْنُ مُتَعَجِّبُونَ مِنْ إِقْدَامِ جَعْفَرٍ عَلَى هَذِهِ الأُمُورِ الْعَظِيمَةِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانِ، وَرَكِبَ مِنَ الْغَدِ إِلَى الرَّشِيدِ فَدَخَلَ وَوَقَفْنَا، فَمَا كَانَ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ دُعِيَ بِالْقَاضِي أَبِي يُوسُفَ، وَبِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ، ثُمَّ خَرَجَ إِبْرَاهِيمُ، وَعَلْيِهِ الْخُلَعُ، وَاللِّوَاءُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَدْ زُوِّجَ بِالْعَالِيَةِ، وَزُفَّتْ إِلَيْهِ، وَحُمِلَتِ الأَمْوَالُ إِلَى دَارِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَخَرَجَ جَعْفَرٌ فَقَالَ لَنَا: وَقَفْتُ بَيْنَ يَدَيْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَرَّفْتُهُ بِأَمْرِ عَبْدِ الملك كله، وهو يقول: أحسن أحسن، ثُمَّ قَالَ: فَمَا صَنَعْتَ مَعَهُ؟ فَعَرَّفْتُهُ مَا كَانَ مِنْ قَوْلِي، فَاسْتَصْوَبَهُ، وَأَمْضَاهُ.
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ: فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَيُّهُمْ أَعْجَبُ فعلا: عَبْدُ الْمَلِكِ فِي شُرْبِهِ النَّبِيذَ وَلِبَاسِهِ مَا لَيْسَ مِنْ لُبْسِهِ، وَكَانَ صَاحِبَ جِدٍّ وَوَقَارٍ، أَوْ إِقْدَامُ جَعْفَرٍ بِمَا أَقْدَمَ بِهِ، أَوْ إِمْضَاءُ الرَّشِيدِ لِمَا حَكَمَ جَعْفَرٌ بِهِ؟!
قَالَ القاضي ابن خلكان الْبَرْمَكِيِّ: قَدْ بَلَغَ جَعْفَرٌ مِنْ عُلُوِّ الْمَرْتَبَةِ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ أَحَدٌ، حَتَّى أَنَّ الرَّشِيدَ اتخذ ثوبا له زيقان، فكان يلبسه هُوَ وَجَعْفَرٌ مَعًا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَنْهُ صَبْرٌ، وَكَانَ الرَّشِيدُ شَدِيدَ الْمَحَبَّةِ لأُخْتِهِ عَبَّاسَةَ، وَهِيَ أَعَزُّ النِّسَاءِ عَلَيْهِ، فَكَانَ مَتَى غَابَ أَحَدٌ مِنْهُمَا لا يَتِمُّ سُرُورُ الرَّشِيدِ فَقَالَ: إِنِّي لا صَبْرَ -[788]- لِي عَنْكُمَا، وَإِنِّي سَأُزَوِّجُكها لِأَجْلِ النَّظَرِ فَقَطْ، فَاحْذَرْ أَنْ تَخْلُوَ بِهَا، فَزَوَّجَهُ بِهَا عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، ثُمَّ تَغَيَّرَ عَلَيْهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ هَذَا التَّغَيُّرِ، فَقِيلَ: إِنَّ عَبَّاسَةَ أَحَبَّتْ جَعْفَرًا وَرَاوَدَتْهُ فَخَافَ، وَأَعْيَتْهَا الْحِيلَةُ، فَبَعَثَتْ إِلَى أم جعفر: أن ابعثيني إِلَى ابْنِكِ كَأَنَّنِي جَارِيَةٌ لَكِ تُتْحِفِيهِ بِهَا، وَكَانَتْ أُمُّهُ تُتْحِفُهُ كُلَّ جُمْعَةٍ بِجَارِيَةٍ بِكْرٍ، فَيَشْرَبُ ثُمَّ يَقتَضُّهَا، فَأَبَتْ عَلَيْهَا أُمُّ جَعْفَرٍ، فَقَالَتْ: لَئِنْ لَمْ تَفْعَلِي لأَقُولَنَّ أَنَّكِ خَاطَبْتِنِي بِهَذَا، وَلَئِنِ اشْتَمَلْتُ مِنَ ابْنِكِ عَلَى وَلَدٍ لَيَكُونَنَّ لَكُمُ الشَّرَفُ، فَأَجَابَتْهَا وَجَاءَتْهَا عَبَّاسَةُ فَأَدْخَلَتْهَا مُتَنَكِّرَةً عَلَى جَعْفَرٍ، وَكَانَ لا يَثَّبَّتُ صُورَتَهَا، وَلا يَجْسُرُ أَنْ يَرْفَعَ طَرْفَهُ إِلَيْهَا مِنَ الرَّشِيدِ قَالَ: فَاقتَضَّهَا، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَتْ لَهُ: كَيْفَ رَأَيْتَ خَدِيعَةَ بَنَاتِ الْخُلَفَاءِ؟ قَالَ: وَمَنْ أَنْتِ؟ قَالَتْ: أَنَا مَوْلاتُكَ، فَطَارَ السُّكْرُ مِنْ رَأْسِهِ، وَقَامَ إِلَى أمه فقال: بِعْتِنِي وَاللَّهِ رَخِيصًا، وَعَلِقَتْ مِنْهُ الْعَبَّاسَةُ، فَلَمَّا وَلَدَتْ وَكَّلَتْ بِالْوَلَدِ خَادِمًا، وَمُرْضِعًا، ثُمَّ بَعَثَتْ بِهِ إِلَى مَكَّةَ، ثُمَّ وَشَتْ بِهَا زُبَيْدَةُ إِلَى الرَّشِيدِ، فَحَجَّ وَكَشَفَ عَنِ الأَمْرِ وَتَحَقَّقَهُ، فَأَضْمَرَ السُّوءَ لِلْبَرَامِكَةِ. وَلِأَبِي نُوَاسٍ يُشِيرُ إِلَى ذلك:
ألا قل لأمين اللـ ... ـه وابن القادة الساسه
إذا ما ناكث سر ... ك أَنْ تُعْدِمَهُ رَاسَهْ
فَلا تَقْتُلْهُ بِالسَّيْفِ ... وَزَوِّجْهُ بِعَبَّاسَهْ
وَقِيلَ: إِنَّ الرَّشِيدَ سَلَّمَ إِلَيْهِ يَحْيَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ كَمَا ذَكَرْنَا، فَقَالَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ فِيَّ، وَلا تَجْعَلْ خَصْمِكَ غَدًا جَدِّي، فَرَقَّ لَهُ وَأَطْلَقَهُ، وَخَفَرَهُ إِلَى مَأْمَنِهِ.
وَسُئِلَ سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ جِنَايَةِ الْبَرَامِكَةِ، فَقَالَ: مَا كَانَ مِنْهُمْ بَعْضُ مَا يُوجِبُ مَا عَمِلَ الرَّشِيدُ بِهِمْ، وَلَكِنْ طَالَتْ أَيَّامُهُمْ، وَكُلُّ طَوِيلٍ مَمْلُولٌ.
وَقِيلَ: رُفِعَتْ وَرَقَةٌ إِلَى الرَّشِيدِ فِيهَا:
قُلْ لِأَمِينِ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ ... وَمَنْ إِلَيْهِ الْحَلُّ وَالْعَقْدُ
هَذَا ابْنُ يَحْيَى قَدْ غَدَا مَالِكًا ... مِثْلَكَ مَا بَيْنَكُمَا حَدُّ
أَمْرُكَ مَرْدُودٌ إِلَى أَمْرِهِ ... وَأَمْرُهُ لَيْسَ لَهُ رَدُّ -[789]-
وقد بنى الدار التي ما بنى الـ ... فرس لَهَا مِثْلا وَلا الْهِنْدُ
الدُّرُّ وَالْيَاقُوتُ حَصْبَاؤُهَا ... وَتُرْبُهَا الْعَنْبَرُ وَالنَّدُّ
وَنَحْنُ نَخْشَى أَنَّهُ وَارِثٌ ... مُلْكَكَ إِنْ غَيَّبَكَ اللَّحْدُ
وَلَنْ يُضَاهِي الْعَبْدُ أَرْبَابَهُ ... إِلا إِذَا مَا بَطِرَ الْعَبْدُ
فَلَمَّا قَرَأَهَا أَثَّرَتْ فِيهِ.
وَقِيلَ: إِنَّ أُخْتَ الرَّشِيدِ قَالَتْ لَهُ: مَا رَأَيْتُ لَكَ سُرُورًا تَامًّا مُنْذُ قَتَلْتَ جَعْفَرًا، فَلِأَيِّ شَيْءٍ قَتَلْتَهُ؟ قَالَ: لو علمت أن قميصي يعلم السبب في ذلك لَمَزَّقْتُهُ.
وَلَمْ يَزَلْ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ وَابْنُهُ الْفَضْلُ وَعِدَّةٌ مِنَ الْخَدَمِ مَحْبُوسِينَ، وَحَالُهُمْ حَسَنٌ إِلَى أَنْ سَخِطَ الرَّشِيدُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ، فَعَمَّهُمْ بِسَخَطِهِ، وَجَدَّدَ لَهُمُ التُّهْمَةَ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِمْ، وَبَقِيَتْ جُثَّةُ جَعْفَرٍ مُعَلَّقَةً مُدَّةً، وَقُطِّعَتْ أَعْضَاؤُهُ، وَعُلِّقَتْ بِأَمَاكِنَ، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ أُنْزِلَتْ وَأُحْرِقَتْ، وَحُبِسَ يَحْيَى وَأَوْلادُهُ كُلَّهُمْ سِوَى مُحَمَّدٍ وَبَنِيهِ.
وَلِأَبِي الْعَتَاهِيَةِ:
قُولا لِمَنْ يَرْتَجِي الْحَيَاةَ أَمَا ... فِي جَعْفَرٍ عِبْرَةٌ وَيَحْيَاهُ
كَانَا وزيري خليفة الله هـ ... ـارون هُمَا مَا هُمَا وَزِيرَاهُ
فَذَاكُمُ جَعْفَرٌ بِرُمَّتِهِ ... فِي حَالِقٍ رَأْسُهُ وَنِصْفَاهُ
وَالشَّيْخُ يَحْيَى الْوَزِيرُ أصبح قد ... نحاه عن نفسه وأقصاه
وشتت بعد الجميع شملهم ... فأصبحوا في البلاد قد تاهوا
كذاك مَنْ يُسْخِطِ الإِلَهَ بِمَا ... يُرْضِي بِهِ الْعَبْدَ يُجْزِهِ اللَّهُ
سُبْحَانَ مَنْ دَانَتِ الْمُلُوكُ لَهُ ... أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا هُو
طُوبَى لِمَنْ تَابَ قَبْلَ غِرَّتِهِ ... فَمَاتَ قَبْلَ الْمَمَاتِ طُوبَاهُ
وَفِيهَا هَاجَتِ الْعَصَبِيَّةُ بَيْنَ الْقَيْسِيَّةِ وَالْيَمَانِيَّةِ بِالشَّامِ، فَوَجَّهَ الرَّشِيدُ مُحَمَّدَ بْنَ مَنْصُورِ بْنِ زِيَادٍ فأصلح بينهم.
وفيها خرج عبد السلام الخارجي بآمد فظفر به يحيى العقيلي فقتله.
وَفِيهَا أَغْزَى الرَّشِيدُ وَلَدَهُ الْقَاسِمَ الصَّائِفَةَ، وَوَهَبَهُ لله، وولاه العواصم. -[790]-
وَكَانَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ وَلَدٌ، وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَسَعَى هُوَ وَوَزِيرُ أَبِيهِ بِابْنِهِ إلى الرشيد، قالا: إِنَّهُ عَامِلٌ عَلَى الْخِلافَةِ، فَاعْتَقَلَهُ الرَّشِيدُ فِي مكان مليح وفي إكرام، فَمَا زَالَ مَحْبُوسًا حَتَّى تُوُفِّيَ الرَّشِيدُ فَأَطْلَقَهُ الأَمِينُ وَوَلاهُ الشَّامَ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ الأَمِينِ، وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِ بَيْتِهِ وَفُصَحَائِهِمْ وَنُبَلائِهِمْ، مَرَّ الرَّشِيدُ بِمَنْبِجٍ فَقَالَ لَهُ، وَبِهَا إِذْ ذَاكَ مَقَرُّ عَبْدِ الْمَلِكِ: هَذَا مَنْزِلُكَ؟ قَالَ: هُوَ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وُلِّيَ بِكَ، قَالَ: كَيْفَ هُوَ؟ قَالَ: دُونَ بِنَاءِ أَهْلِي، وَفَوْقَ مَنَازِلِ مَنْبِجٍ، قَالَ: كَيْفَ لَيْلُهَا؟ قَالَ: سَحَرٌ كُلُّهُ.
وَفِيهَا انْتَقَضَ الصُّلْحُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ الرُّومِ، وَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ نِقْفُورَ، وَالرُّومُ تَذْكُرُ أَنَّ نِقْفُورَ هَذَا مِنْ وَلَدِ جَفْنَةَ الْغَسَّانِيِّ، وَأَنَّهُ قَبْلَ الْمُلْكِ كَانَ يَلِي دِيوَانَ خَرَاجِهِمْ، وَكَانَ عَقَدَ الهدنة مع الملكة زبني، فخلعتها الروم وسلطنوا نقفور.
ثم ماتت زبني بَعْدَ أَشْهُرٍ، فَكَتَبَ: مِنْ نِقْفُورَ مَلِكِ الرُّومِ، إِلَى هَارُونَ مَلِكِ الْعَرَبِ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْمَلِكَةَ الَّتِي قَبْلِي كَانَتْ أَقَامَتْكَ مَقَامَ الرُّخِ، وَأَقَامَتْ نَفْسَهَا مَقَامَ الْبَيْدَقِ، فَحَمَلَتْ إِلَيْكَ مِنْ أَمْوَالِهَا أَحْمَالا، وَذَلِكَ لِضَعْفِ النِّسَاءِ وَحُمْقِهِنَّ، فَإِذَا قَرَأْتَ كِتَابِي فَارْدُدْ مَا حَصَلَ قِبَلَكَ مِنْ أَمْوَالِهَا، وَافْتَدِ نَفْسَكَ، وَإِلا فَالسَّيْفُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ.
قَالَ: فَلَمَّا قَرَأَ الرَّشِيدُ الْكِتَابَ اسْتَشَاطَ غَضَبًا حتى لم يمكن أحد أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وَجْهِهِ دُونَ أَنْ يُخَاطِبَهُ، وَتَفَرَّقَ جُلَسَاؤُهُ مِنَ الْخَوْفِ، وَاسْتَعْجَمَ الرَّأْيُ عَلَى الْوَزِيرِ، فَدَعَا الرَّشِيدُ بِدَوَاةٍ وَكَتَبَ عَلَى ظَهْرِ كِتَابِهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ هَارُونَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى نِقْفُورَ كَلْبِ الرُّومِ، قَدْ قَرَأْتُ كِتَابَكَ يَا ابْنَ الْكَافِرَةِ، وَالْجَوَابُ مَا تَرَاهُ لا مَا تَسْمَعُهُ.
ثُمَّ سَارَ لِيَوْمِهِ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى نَازَلَ مَدِينَةَ هِرَقْلَةَ، وَكَانَتْ غزوة مشهودة، وَفَتْحًا مُبِينًا، فَطَلَبَ النِّقْفُورُ الْمُوَادَعَةَ، وَالْتَزَمَ بِخَرَاجٍ يَحْمِلُهُ كُلَّ سَنَةٍ، فَأُجِيبَ، فَلَمَّا رَجَعَ الرَّشِيدُ إِلَى الرَّقَّةِ نَقَضَ الْكَلْبُ الْعَهْدَ لِإِيَاسِهِ مِنْ كرة الرَّشِيدِ فِي الْبَرْدِ، فَلَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ أَنْ يبلغ الرشيد نقضه، بل قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ التَّيْمِيُّ: -[791]-
نَقَضَ الَّذِي أَعْطَيْتَهُ نِقْفُورُ ... فَعَلَيْهِ دَائِرَةُ الْبَوَارِ تَدُورُ
أَبْشِرْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُ ... غُنْمٌ أَتَاكَ بِهِ الإِلَهُ كَبِيرُ
وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ أَبْيَاتًا، وَعُرِضَتْ عَلَى الرَّشِيدِ، فَقَالَ: أَوَ قَدْ فَعَلَهَا؟ فَكَرَّ رَاجِعًا فِي مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ حَتَّى أَنَاخَ بِفِنَائِهِ، فَلَمْ يَبْرَحْ حَتَّى بَلَغَ مُرَادَهُ وَحَازَ جِهَادَهُ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ:
أَلا بادت هِرَقْلَةُ بِالْخَرَابِ ... مِنَ الْمَلِكِ الْمُوَفَّقِ لِلصَّوَابِ
غَدَا هارون يرعد بالمنايا ... ويبرق بالمذكرة العضاب
وَرَايَاتٍ يَحِلُّ النَّصْرُ فِيهَا ... تَمُرُّ كَأَنَّهَا قِطَعُ السَّحَابِ
وَفِيهَا أَمَرَ الرَّشِيدُ بِقَتْلِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ نَهِيكٍ؛ لِأَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْهُ أَنَّهُ إِذَا شَرِبَ طَلَبَ سَيْفَهُ وَأَخَذَهُ، وَيَقُولُ: لأَقْتُلَنَّ الرَّشِيدَ أَوْ لأَقْتُلَنَّ قَاتِلَ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى، ثُمَّ يَبْكِي حَزِنًا عَلَى جَعْفَرٍ.
وَحَجَّ وَأَقَامَ الْمَوْسِمَ عبيد الله بن العباس ابن أخي الْمَنْصُورِ.
وَوَلِيَ دِمَشْقَ شُعَيْبُ بْنُ حَازِمِ بْنِ خُزَيْمَةَ، فَهَاجَتِ الأَهْوَاءُ بَيْنَ الْمُضَرِيَّةِ، وَالْيَمَانِيَّةِ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمْ وَقْعَةٌ مَهُولَةٌ، ظَهَرَتْ فِيهَا الْيَمَانِيَّةُ، وَقُتِلَ نَحْوٌ من خمس مائة نَفْسٍ، ثُمَّ عُزِلَ شُعَيْبٌ بَعْدَ عَامٍ بِمُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ.
-سنة سبع وتسعين
تُوُفّي فيها: أحمد بْن بشير أبو بَكْر الكوفيّ، بقيّة بْن الوليد أبو يُحْمد الكلاعيّ، إبراهيم بْن عُيَيْنة أخو سُفْيان، بهز بْن أسد بصري ثقة، ربعيّ بْن عُلَيّة أبو الحَسَن أخو إسماعيل، الحَسَن بْن حبيب بْن نَدْبه بصْريّ، زيد بْن أَبِي الزرقاء المَوْصِليّ، سلامة بْن رَوْح الأيليّ عَنْ عُقيل، شُعَيْب بن حرب المدائني الزاهد، عبد الله بن وهب أبو محمد بمصر، عبد العزيز بن عمران الزُّهْرِيّ الْمَدَنِيّ، الفضل بْن عَنْبَسَةَ الواسطيّ ثقة، القاسم بْن يحيى بْن عطاء بْن مقدم حدّث فيها، محمد بْن فُلَيْح بْن سليمان المدنيّ، هشام بْن يوسف الصّنْعانيّ الفقيه، ورش المقرئ واسمه عثمان بْن سَعِيد، وكيع بْن الجراح الرؤاسي الإمام، أبو سَعِيد مولى بني هاشم هُوَ عَبْد الرَّحْمَن.
وفيها لحِق القاسم الملقّب بالمؤتمن - وهو أخو الأمين - ومنصور بْن المهديّ بالمأمون.
وفيها نزل زهير بن المسيب الضبي بكلواذا، ونصب المجانيق، واحتفر الخندق، وجعل يخرج في الأوقات عند اشتغال الْجُنْد بحرب طاهر، فيرمي بالمجانيق والعرّادات مِن أقبل وأدبر، ويعشّر أموال التجار، وجعل يؤذي المسلمين، فأتوا طاهرًا يشكون منه، وبلغ ذَلِكَ هَرْثَمَة بْن أَعْيَن، فأمدّه بالجنود.
ثمّ نزل هرثمة نهر تير وبنى عَلَيْهِ حائطًا وخندقًا، وأعدّ المجانيق، وأنزل -[1046]- عُبَيْد الله بْن الوضّاح الشمّاسيّة، ونزل طاهر بن الحسين البستان الذي بباب الأنبار، فضاق الأمين ذَرْعًا، وتفرّق ما كَانَ في يده مِن الأموال العظيمة، فأمر ببيع ما في الخزائن مِن الأمتعة، وضربَ آنية الذهب والفضّة دنانير ودراهم لينفقها، ثمّ أمر برمي الحربيّة بالنَّفط والمجانيق، وهلك جماعة، وكثُر الخراب والهدْم حتّى دُرست محاسن بغداد، وعُمِلت فيها المراثي.
ولم يزل طاهر مُصابرًا للأمين وجنده، حتَّى مل أهل بَغْدَاد قتاله، فاستأمن إلى طاهر الموكلون للأمين بقصر صالح، وسلّموا إِلَيْهِ القصر بجميع ما فيه في جُمَادَى الآخرة في منتصفه، ثمّ استأمن إلى طاهر صاحب شُرَطة الأمين محمد بْن عيسى، فضعُف ركن الأمين واستسلم. وقُتِل داخل قصر صالح: أبو العبّاس يوسف بْن يعقوب الباذغيسي، وجماعة من القوّاد، وقُتِل خلْق من أصحاب طاهر، ثمّ لحِق بطاهر عَبْد الله بْن حُمَيْد الطّائيّ، وإخوته، وابن الحَسَن بْن قَحْطَبة، ويحيى بْن عليّ بْن ماهان، ومحمد بْن أَبِي العبّاس الطّائيّ، وكاتَبهُ قوم في السّرّ مِن العباسيّين.
ولما كانت وقعة يوم قصر صالح أقبل محمد عَلَى اللّهو والشرب، ووكّل الأمر إلى محمد بْن عيسى بْن نَهيك وإلى الهِرْش، فأقبل أصحاب الهِرْش يؤذون الرعيّة وينهبونهم، فلجأ خلق ونزحوا إلى طاهر، فرأوا مِن أصحابه الأمن والخير، وبقي الناس في بغداد بأسوأ حال، وطال الأمر.
ولبعضهم:
بكيتُ دمًا عَلَى بغداد لمّا ... فقدت غضارة العيش الأنيقِ
أصابتها مِن الحسّاد عينٌ ... فأفْنَتْ أهلَها بالمنجنيق
وهي طويلة.
وبقي يقاتل عَنِ الأمين غوغاء بغداد والعيّارون والحرافشة، فأنكوا في أصحاب طاهر، وكانوا يقاتلون بلا سلاح، فقال بعض الشعراء:
خرجت هذه الحروب رجالا ... لا لقحطانها ولا لنزارِ
مَعْشَرًا في جواشن الصوف يغدو ... ن إلى الحرب كالأُسود الضَّواري
وعليهمْ مَغٍافرُ الْخُوصِ تجزيـ ... ـهم عَنِ البِيض والتَّراسُ الْبَوَارِي
لَيْسَ يدرون ما الفرار إذا الأبـ ... ـطال عاذوا مِن القَنا بالفرارِ -[1047]-
واحد منهم يشد على ألـ ... ـفين عُرْيَانُ ما لَهُ مِن إزارِ
كم شريفٍ قد أخملِتْهُ وكم قد ... رفعتْ مِن مُقامرٍ عيّارِ
وقال آخر في غوغاء البغاددة:
إذا حضروا قَالُوا بما يعرفونه ... وإن لم يروا شيئًا قبيحًا تخّرصوا
ترى البطلَ المشهورَ في كلّ بلدةٍ ... إذا ما رَأَى العريان يومًا يُبَصْبِصُ
ثمّ كانت بينهم وقعة درب الحجارة، وكانت لأصحاب محمد الأمين عَلَى أصحاب طاهر، فقُتل فيها خلْق كثير.
ثمّ كانت وقعة باب الشّماسيّة، وأُسِر فيها هَرْثَمَة، وانتصر فيها أصحاب محمد، وَأُسَرَ هَرْثَمَة رجلٌ مِن العُراة، ولم يعرفه، فحمل بعض أصحاب هَرْثَمَة عَلَى الرجل فقطع يده، وخلّصه، فمرّ منهزمًا، وبلغ خبرهُ أهلَ عسكره فتقوضّ بما فيه، وهرب أهله نحو حُلوان، وكان عَلَى العُراة حاتم بْن الصّقْر.
ثمّ نَجَدَ هَرْثَمَة وأصحابَه طاهرُ بنُ الحسين وأصحابُه، وقتلوا مِن العُراة خلائق، فأيقن محمد بالهلاك، وهرب مِن عنده عَبْد الله بْن خازم بْن خُزَيمة إلى المدائن في السُّفن بعياله.
وقيل في قتل العُراة:
كم قتيلٍ قد رأينا
ما سألناه لأيش ... دارعا تلقاه عريا
ن بجهل وبطيش ... حبشيا يقتل النا
س عَلَى قطعة خَيْش ... مُرتدٍ بالشمس راضٍ
بالمُنَى من كل عيش ... يحمل الحملة لا يقـ
ـتل إلا رأس جيش ... احذر الرمية يا طا
هر من كف الحبيشي
ودام حصار بغداد خمسة عشر شهرًا هكذا، فلا قّوة إلا بالله.
وفيها قوي السّفيانيُّ بالشام، واستولى عَلَى سائرها باليَمانية، وهربت القيسيّة مِن الغوطة، ثمّ إنّه توثّب عَلَيْهِ مسلمة بْن يعقوب الأموي المروانيّ، وقبض عَلَيْهِ في أثناء السَّنَةِ وقيده، واستبدّ بالأمر وبايع لنفسه، فلم يبلع رِيقَه حتى حاصره ابن بَيْهَس بدمشق أيامًا، ثمّ نصب عَلَى السور السلالم، كما يأتي.

-ومن سنة سبع ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-ومن سنة سبع ومائتين
فيها توفي جعفر بن عون، وطاهر بن الحسين الأمير، وأبو قتادة الحراني، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وعمر بن حبيب العدوي، وقراد أبو نوح، وكثير بن هشام، والواقدي، ومحمد بن كناسة، وهاشم بن القاسم، والهيثم بن عدي، والفراء النحوي.
وفيها - وقيل قبلها - خرج عَبْد الرَّحْمَن بْن أَحْمَد بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِب ببلاد عَكّ من اليمن يَدْعُوَ إِلَى الرِّضَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم - خرج لأنّ عامل اليمن أساء السّيرة. فبايع عَبْد الرَّحْمَن خلقٌ. فوجّه المأمون لحربه دينارَ بْن عَبْد اللَّه، وكتب معه بأمانه. وحجّ دينار، ثمّ سار إلى اليمن حتّى قرُب من عَبْد الرَّحْمَن، فبعث إِلَيْهِ بأمانه فقبله، وجاء مَعَ دينار إلى المأمون. وعند ظهوره منع المأمون الطّالبيّين من الدخول عَلَيْهِ، وأمرهم بلبْس السواد.
وفيها أصابت طاهرَ بْن الحُسين حُمَّى وحرارة فوجد على فراشه ميتا، فذكر أن عميه عليّ بْن مُصْعَب، وحُمَيْد بْن مُصْعَب عاداه بغلس، فقال الخادم: هُوَ نائم. فانتظروا ساعة، فلمّا انبسط الفجر قالا للخادم: أيْقِظْه. قَالَ: لا أجسر. فدخلا فوجداه ميتًا.
وقيل: إنّه قطع الدُّعاء يوم الجمعة للمأمون ولم يزد عَلَى: اللّهم أصْلِح أُمَّةَ محمد بما أصلحْتَ بِهِ أولياءك، واكفها مؤونة مَن بَغَى عليها. وطرح عَنْهُ السَّواد. فعرض له عارض فمات لليلته. فأتى الخبر على المأمون بخلعه أول -[17]- النّهار من النُّصَحاء، ووافى الخبر بموته ليلا. وقام بعده ابنه طلحة بْن طاهر، فأقرّه المأمون، فبقي عَلَى خراسان سبْعٍ سِنين ثمّ تُوُفّي، فتولّى بعده أخوه عَبْد اللَّه بْن طاهر وهو يحارب بابَكُ، فسار إلى خُراسان، وولي حربَ بابَكُ عليّ بْن هشام.
وقيل: لما جاء نعيُ طاهر بْن الحُسين قَالَ المأمون لليدين وللفم: الحمد لله الّذي قدّمه وأخّرنا. وقد كَانَ في نفس المأمون منه شيء لكونه قتل أخاه الأمين لمّا ظفر بِهِ، ولم يبعث بِهِ إلى المأمون ليرى فيه رأيه. ومات طاهر في جمادى الأولى.
وفيها وُلّي موسى بْن حفص طَبَرِسْتان، والرُّويان، ودنباوند.
وحج بالناس أبو عيسى أخو المأمون.
وفيها ظهر الصناديقي باليمن فاستولى عليها، وقتل النساء والولدان، وادّعى النُّبُوَّة، وتبعه خلق وارتدّوا عَنِ الإسلام. ثمّ أهلكه اللَّه بالطاعون، وهلك أيضا في دولة المأمون.

-سنة سبع عشرة ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة سبْع عشرة ومائتين
فيها تُوُفّي حَجّاج بن مِنْهال الأنماطيّ بالبصرة، وسريج بن النُّعْمان الجوهريّ، وموسى بن داود الضّبّي الكُوفيُّ ببغداد، وهشام بن إسماعيل العطّار العابد بدمشق، وعمْرو بن مَسْعَدَة أبو الفضل الصُّولِيُّ كاتب الإنشاء للمأمون، وإسماعيل بن مَسْلَمَة أخو القعنبي بمصر.
وفيها دخل المأمون مصر، فأحضر بين يديه عَبْدُوس الفِهْريّ فضُرِبَت عنقه.
قال المسعوديّ: وكان قد تغلب عليها، وعاد إلى دمشق، ثمّ سار إلى أَذَنَة، ودخل أرض الروم، فنزل على لُؤْلُؤَةَ وحاصرها مائة يوم، ثمّ رحل عنها، وخلّف عليها عُجَيْفًا، فخدعَه أهلها وأسروه، ثم أطلقوه بعد جمعةٍ، وأقبل الملك تَوْفِيل في جيوش الروم - لعنهم الله - إلى حصن لؤلؤة فأحاط بعجُيَفْ، -[247]- فبلغ ذلك المأمون، فجهّز الجنود لحربه، فارتحل تَوفْيِل وكتب كتابًا إلى المأمون يطلب الصُّلْح، فبدأ بنفسه وأغلظ في المكاتبة، فاستشاط المأمون غضبًا وقصد الروم، وعزم على المسير إلى قُسْطنطينية، ثم فكّر في هجوم الشتاء فرجع.
وفيها وقع حريق عظيم بالبصرة يُقال: إنّه أتى على أكثرها، وكان أمرًا مزعجًا يفوق الوصف.

-سنة سبع وعشرين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة سبعٍ وعشرين ومائتين
تُوُفّي فيها أحمد بن حاتم الطّويل، وأحمد بن عبد الله بن يونس اليَرْبُوعيّ، وإبراهيم بن بشّار الرماديّ، وأبو النَّضْر إسحاق بن إسحاق الفراديسيّ، وإسماعيل بن عَمْرو البَجَليّ، وبِشْر الحافي، وسعيد بن منصور صاحب السنن، وسهل بن بكّار، ومحمد بن حيّان أبو الأحوص، وشعيث بن محرز، ومحمد بن الصّبّاح الدُّولابيّ، ومحمد بن عبد الوهّاب الحارثيّ، ومحمد بن هارون المعتصم بالله، وأبو الوليد الطَّيَالسيّ، والهيثم بن خارجة، ويحيى بن بشر الحريري.
وفيها خرج بفلسطين المبرقع أبو حرب، الذي زعم أنّه السُّفيانيّ، فدعا -[502]- إلى الأمر بالمعروف والنَّهي عن المُنْكَر أولًا، إلى أن قَوِيَت شوكتهُ، واستفحل أمره. وسبب خروجه أنّ جنديًا أراد النزول في داره وهو غائب فمانعته أهل المبرقع، فضربها بسوطٍ أثّر في ذراعها، فلمّا جاء زوجها بكت وشكت، فذهب إلى الجندي فقتله، وهرب. ولبس برقعا؛ لئلا يعرف، ونزل بجبال الغَوْر مُبَرْقَعًا، فكان يأتيه الرجل، فيحثّه على الأمر بالمعروف ويعيب الدّولة. فاستجاب له قوم من فلّاحي القُرى، وادّعى أنّه أُمَويّ، وتكاثف الأمر، فسار لحربه رجاء الحصاريّ أحد قوّاد المعتصم في ألف فارس، فأتاه فوجده في زُهاء مائة ألف. فعسكر بحذائه، ولم يجسر على لقائِه. فلمّا كان أوان الزراعة تفرق أكثر أولئك في فلاحتهم، وبقي في نحو ألفَين، فواقَعَه رجاء، وكان المبرقع بطلًا شجاعًا، فحمل على العسكر، فأفرجوا له، ثمّ أحاطوا به فأسروه وسجنوه، فمات في آخر هذه السنة، وقيل: خنقوه.
وفيها بعث المعتصم على دمشق الأمير أبا المغيث الرافقيّ، فخرجت عليه طائفة من قَيْس؛ لكونه أخذ منهم خمسة عشر نفسًا فصلبهم، فأغارت قيس على خيل السلطان، وعسكروا بمرج راهط. فوجّه أبو المغيث جيشًا لقتالهم، فقُتِلَ خلْق من الجيش، وثبتت القيسية، ثم زحفوا على دمشق، فتحصّن بها أبو المغيث، فوقع حصار شديد، فمات المعتصم والأمرُ على ذلك.
قال محمد بن عائذ: قدم دمشق رجاء الحصاريّ، فواقَعَ أهلَ المرج، وجَسْرين، وكَفر بطْنًا، وسقبا في جُمَادَى الأولى، وأصيب من النّاس خلْق.
وقال عليّ بن حرب: كتب الواثق إلى الرَّقّة إلى رجاء الحصاريّ يأمره بالمسير إلى دمشق. فقدمها، ونزل بدير مُرَّان، والقيسيّة معسكرون بمرج راهط، فوجّه إليهم يسألهم الرجوع إلى الطّاعة، فامتنعوا إلّا أن يَعْزِل أبا المغيث عن دمشق، فأنذرهم القتالَ يوم الاثنين، ثمّ كبسهم يوم الأحد بغتةً بكفْر بَطْنا. وكان جُمهور القيسيّة بدُومَة، فوافاهم وقد تفرقوا، فوضع السيف فيهم، وقتل منهم ألفا وخمسمائة، وقتلوا الأطفال، وجرحوا النسوان، ونهبوا. فهرب ابن بَيْهَس ولحق بقومه بحَوْرَان، وقُتِلَ ابن عمّ رجاء، وقُتِلَ من الأجناد نحو الثلاثمائة، وقد عاش رجاء إلى سنة أربعٍ وأربعين ومائتين، وبويع الواثق بالله هارون في تاسع عشر ربيع الأول بعد موت أبيه المعتصم بعهدٍ منه

-سنة سبع وثلاثين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة سَبْعٍ وثلاثين ومائتين
فيها تُوُفِيّ إبراهيم بن محمد ابن عم الشافعي، وحاتِم الأصمّ الزّاهد، وسعيد بْن حفص النُّفَيْلِيّ، والعبّاس بْن الوليد النَّرْسِيّ، وعبد اللَّه بْن عامر بْن زُرَارَة، وعبد اللَّه بْن مطيع، وعبد الأعلى بْن حمّاد النَّرْسِيّ، وعُبَيْد اللَّه بْن مُعاذ العَنْبَريّ، وأبو كامل الفُضَيْل بْن الحسن الْجُحْدريّ، ومحمد بْن قُدامة الجوهريّ، ووَثِيمة بن موسى نزيل مصر، وكان أخباريا.
وفيها وثبت بطارقة أرمينية بعاملها يوسف بْن محمد فقتلوه، فجهزَّ المتوكّل لحربِهم بُغا الكبير، فالتقاهم على دَبِيل، فنُصِر عليهم، وقتل منهم خَلْقًا عظيمًا، وسبَى خلقًا، حتّى قيل: إنّ المَقْتَلة بلغت ثلاثين ألفا، وسار إلي تفليس.
وفيها بعثَ المتوكّل إلى نائب مصر أن يحلق لحية قاضي القضاة بِمصر أبي بكر محمد بْن أبي اللَّيْث، وأن يضربه، ويطوف به على حِمَار. فَفُعِلَ ذلك به في شهر رمضان، وسُجِنَ، فإنّا لله وإنّا إليه رَاجِعُونَ. اللَّهُمَّ لا تأجرهُ في مصيبته، فإنّه كان ظالما من رؤوس الجهمية.
ثُمَّ ولي القضاء الحارث بْن مسكين بعد تمنُّع، وأمر بإخراج أصحاب أبي حنيفة والشافعي من المسجد، ورُفِعَتْ حُصُرُهم، ومنع عامّة المؤذّنين من الأذان. وكان قد أُقعِد، فكان يُحمل في مَحَفّة إلى الجامع، وكان يركبُ حمارًا متربعا. وضرب الذين يقرؤون بالألحان. وحمله أصحابُه على النّظر في أمر القاضي الذي قتله محمد بْن أبي الليث، وكانوا قد لعنوهُ لَما عُزِل، ورفعوا حُصُرَهُ، وغسّلوا موضعه من المسجد. فكان الحارث بْن مسكين يُوقِف القاضي محمد بْن أبي اللَّيْثِ، ويُضْرَب كلّ يوم عشرين سَوْطًا، لكي يؤدّي ما وجب عليه من الأموال. وبقي على هذا أيّامًا. وعُزِلَ الحارث بعد ثمان سِنين ببكار بن قتيبة.
وفيها قدم محمد بْن عبد اللَّه بْن طاهر وافدًا على المتوكل من خُراسان، فولّاهُ العراق.
وفيها غضب المتوكل على أحمد بن أبي داؤد وصادره، وسجن ابنه -[750]- وإخْوته وصادرهم، ثُمَّ صُولِح بعد ذلك على ستة عشر ألف ألف درهم، وأشهد بيع كل ضيعة لهم وافتقروا.
ورضي المتوكّل عن يحيى بْن أكثم، وولاه القضاء والمظالم.
وفيها أطلق المتوكّل جميع من في السجون مِمّن امتنعَ عن القَوْلِ بِخَلْقِ القرآن في أيّام أبيه، وأمرَ بإنْزَالِ جُثة أحمد بْن نصر الخزاعي، فدفعت إلى أقاربه فدفنت.
وفيها ظهرت نارٌ بعسقلان، أحرقت البيوت والبَيَادر، وهربَ الناس، ولَم تزل تحرق إلى ثُلث الليل، ثم كفت، بإذن الله.
وفيها كان بناء قَصْر العروس بسامرّاء، وتكمّل في هذه السنة، فبلغت النَّفَقة عليه ثلاثين ألف ألف درهم.
وفيها طلب المتوكّل من أحمد بْن حنبل المجيء إليه بسامرّاء، فسار إليه، ولَم يجتمع به، بل دخل على ولده المعتز.
-سنة سبع وأربعين
فيها تُوُفّي إبراهيم بن سعد الْجَوْهريّ، وأبو عثمان المازنيّ، والمتوكّل على الله، وَسَلَمَةُ بن شبيب، وسُفْيان بن وكيع، والفتح بن خاقان الوزير.
وفي رابع شوّال بُويع بالخلافة بعد قتل المتوكّل ابنُه المنتصر بالله محمد. -[989]-
فولَّى المظالم أبا عَمْرة أحمد بن سعيد مولى بني هاشم.

-سنة سبع وخمسين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة سبعٍ وخمسين ومائتين
تُوُفّي فيها: أحمد بْن منصور زاج، وإسحاق بْن إبْرَاهِيم بْن حبيب بْن الشّهيد، والحسن بْن عَبْد العزيز الْجَرَوِيّ، والحسن بْن عَرَفَة، وزُهَير بْن محمد المروزي، وزيد بن أخزم، وسليمان بْن مَعْبَد السنجيّ، وأبو الفضل الرياشي عَبَّاس، وأبو سعَيِد الأشَجّ، وعلي بْن خَشْرَم، ومحمد بْن حسان الأزرق، ومحمد بْن عَمْرو بن حنان الحمصي، ومحمد بن وزير الواسطي.
وفيها دخلت الزَّنج البصرة، وبذلوا السيف واستباحوا، وقتلوا بالأُبلّة نَحْوًا من ثلَاثين ألفًا وأحرقوها، فحاربهم سعَيِد الحاجب، واستخلص منهم كثيرًا ممّا أخذوه، ثمّ استظهروا عَلَيْهِ، وقتلوا من جنده مقتلةً عظيمة، ودخلوا البصرة، فيقال: إنهم قتلوا بها اثني عشر ألفًا، وخرّبوا الجامع، وهرب من سلم في البلدان، وخربت البصرة، وجرت بين الزنج وبين عساكر الخليفة عدة وقعات.
وفيها قُتِل ميخائيل بْن توفيل ملك الروم، قتله بسيل الصَّقْلبيّ، وكان بسيل من أبناء الملوك، وتملّك ميخائيل عَلَى دين النصرانية أربعًا وعشرين سنة.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت