الصفحة 12 من 25

فنجد أن القرآن جاء لحماية الضروريات الخمس؛ لأنها ضرورية للناس في حياتهم، ولا يمكن بقاء الإنسان بدونها، ولا تتوافر معاني الحياة الإنسانية الكريمة إلا بتوافرها؛ إذ أن فقدان واحد منها يخل بحياة الإنسان ويترتب عليه اضطراب أموره [1] .

ولهذا فإنه ما من مصلحة إنسانية حقيقية ثابتة، إلا وترجع إلى واحدة من هذه المقاصد الخمس، التي جاء القرآن الكريم لحمايتها، كما إن الناظر في العقوبات الشرعية التي جاء القرآن بها، من حدود وقصاص وتعزير يجد أنها شُرِعت لصيانة هذه الضرورات الخمس (الدين والنفس والعقل والنسل والمال) والمحافظة عليها، وهذا هو الهدف العام من العقوبات.

ولو قال قائل: إن العقوبات في ذاتها مفاسد، فقتل القاتل ورجم الزاني، وقطع السارق تسبب نقصانا لأعضاء المجتمع، فكيف نعالج المفسدة بمفسدة أخرى؟

أُجِيبَ عليه: بأن هذه المفاسد - العقوبات - ليست مقصودة لذاتها بل المقصود هو ما تؤدي إليه، فيجوز أن تدفع المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى قال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [2] فسماه حياة لأنه بقتل القاتل يرتدع قاتلون كُثُر عن الإقدام على القتل، فصاروا أحياء بسبب تطبيق حد القصاص [3] .

قال سيد قطب:"إنه ليس للانتقام، وليس لإرواء الأحقاد، وإنما هو أجل من ذالك وأعلى إنه للحياة، وفي سبيل الحياة، بل هو ذاته حياة" [4]

وقال العز بن عبد السلام:"وربما كانت أسباب المصالح مفاسد فيؤمر بها أو تباح لا لكونها مفاسد; بل لكونها مؤدية إلى المصالح، وذلك كقطع الأيدي المتآكلة حفظا للأرواح، وكالمخاطرة بالأرواح في الجهاد، وكذلك العقوبات الشرعية ليست مطلوبة لكونها مفاسد; بل لكونها المقصودة من شرعها كقطع السارق .... وقتل الجناة"

(1) - انظر المستصفى، أبو حامد الغزالي، (1322) ، بولاق، مصر، الطبعة الأولى، ج 1 ص 284 - 289، الموافقات، أبو إسحاق إبراهيم الشاطبي، (د. ت) دار المعرفة، بيروت، ج 2 ص 8 - 10، فلسفة العقوبة في الفقه الإسلامي، محمد أبو زهرة، (1963 م) ، معهد الدراسات العربية العالمية، القاهرة، ص 39 - 41، الشبهات وأثرها في العقوبة الجنائية في الفقه الإسلامي مقارنا بالقانون، منصور محمد منصور الحفناوي، (1406 هـ- 1986 م) ، مطبعة الأمانة، الطبعة الأولى، ص 206.

(2) - سورة البقرة، الآية 179.

(3) - انظر الأهداف التشريعية للعقوبات في الإسلام، علي بن عبد الرحمن الحسون، مجلة جامعة الملك سعود"العلوم التربوية والدراسات الإسلامية"بكلية التربية بالرياض، العدد (1) 2001 م، ص 4،5.

(4) - في ضلال القرآن، سيد قطب، (1406) ، جده، دار العلم، الطبعة 12، ج 1 ص 159.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت