الصفحة 22 من 25

سواء كان ذلك أثناء تنفيذ العقوبة أو بعدها فيجب أن يكون هدف مقرر ومنفذ العقوبة هو الإصلاح وأن يكون عمله لله وليس للتشفي فإن قصد التشفي فهو آثم. وينبغي أن يبين للجاني خطؤه ويبين له أنه إن تاب وأناب بعد العقاب فإن المجتمع سوف يرحب به ولا يؤذيه; بل يعتبره عضوا صالحا نافعا، فلا يتعامل معه بموجب سوابقه; بل بموجب واقعه الذي هو فيه.

ومن الأمور التي يظهر فيها ما يقصده الشارع من إصلاح الجاني هو: أن الشريعة قد ندبت إلى الستر إذ يقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «لا يستر عبد عبدا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة ... » الحديث [1] ، وندبت إلى التوبة في كل الجرائم التي لم يكشف أمرها باعتبارها مطهرة للذنب {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [2] ، وقضت بإسقاط العقوبة في جريمة الحرابة إذا تاب قبل القدرة عليه {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [3] ، كل ما سبق يؤكد أن الهدف الأساسي للعقوبات هو إصلاح الجاني وتقويم حاله وليس تقييد الناس وتوقيع العقوبات عليهم [4] .

إن القرآن الكريم كتاب هداية للبشرية جمعًا، أنزله خالق البشر العالم بتكوينهم، وأنزل فيه ما يصلحهم وما يرعى شؤون حياتهم؛ إن عملوا بما فيه واقتفوا أثره، ومما جاء في القرآن الكريم مما يصلح أحوال الناس الحفاظ على أمنهم، من خلال المساواة، وإقامة العدل، والتعايش مع الآخر وعدم الإكراه، والحث على فعل الخيرات واجتناب المنكرات، وغير ذلك.

واعتمد القرآن الكريم على مبدأ العقاب كحل للتصرفات والحالات الشاذة التي تسعى إلى تقويض الأمن المجتمعي، وقد جعل القرآن الكريم الجزاء المناسب والقدر المناسب لكل جرم مقترف، بما يحقق العدالة الاجتماعية والردع الكافي لكل من يحاول العبث بأمن المجتمع.

(1) - صحيح مسلم، أبو الحسن مسلم بن الحجاج النيسابوري، (1400 هـ) ، ج 4، برقم 2002.

(2) - سورة الفرقان الآية 70.

(3) - سورة المائدة الآية 34.

(4) - انظر فلسفة العقوبة في الشريعة الإسلامية والقانون، فكري عكاز، (1402 هـ) ، ص 50، في أصول النظام الجنائي الإسلامي، محمد سليم العوا، (1976 م) ، ص 69، النظام العقابي الإسلامي، أبو المعاطي حافظ، (1976 م) ، ص 148.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت