الصفحة 13 من 25

رجم الزناة وجلدهم وتغريبهم وكذلك التعزيرات، كل هذه مفاسد أوجبها الشرع لتحصيل ما رتب عليها من المصالح الحقيقية، وتسميتها بالمصالح من مجاز تسمية السبب باسم المسبب" [1] ، وبذلك نجد أن العقوبات من الوسائل التي جاء بها القرآن الكريم لتحقيق الأمن المجتمعي."

إن من أهم مقاصد القرآن هو بناء المجتمع الإسلامي ليكون مجتمعا طاهرا تسود فيه القيم والآداب السامية والفضائل السلوكية، وتنعدم فيه الرذائل والأعمال المنكرة قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [2] ، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق» [3] .

وذلك من خلال غرس مجموعة من القيم والفضائل في نفوس أفراد المجتمع وتقوية الوازع الديني فيهم وتكوينهم تكوينا صالحا بأساليب متنوعة؛ كي يكونوا نزاعين إلى الخير بعيدين عن الشر والانزلاق مع الهوى والشهوات، لأن الخلق القويم لأفراد المجتمع هو أساس بقاء الأمة وقيام مجتمعا طاهرا قويا متماسكا، والتاريخ خير شاهد على أن انهدام اكثر الحضارات كان بسبب انغماس أهلها في الشهوات وإغراقها في الرذائل والملذات.

ومع ضرورة التحلي بالآداب السامية والفضائل الخلقية، فإن المجتمع لا يخلو من أولئك الشرذمة القلائل، الذين ينساقون مع الشهوات وينغمسون في الملذات ويهوون في الرذائل والذين لا تنفع معهم الوسائل الإرشادية والرقابة الاجتماعية في مكافحة الرذائل وإبعادهم عنها، فلو ترك هؤلاء وشأنهم لاستفحل الشر وانتشرت الرذائل في المجتمع وسرى فيها الانحراف الخلقي، فمن هنا جاءت الشريعة الإسلامية بفرض العقوبات عليهم، والعقوبات في حمايتها للفضيلة لا ينظر إلى مقدار الجريمة بالنسبة للمجني عليه، إنما ينظر فيها إلى مقدار آثار الجريمة في

(1) - قواعد الأحكام في مصالح الأنام، العز ابن عبد السلام، (1400) دار الجيل، بيروت، الطبعة الثانية، ج 1 ص 14، التشريع الجنائي الإسلامي، عبد القادر عودة، (1388 هـ) مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الخامسة، ج 1 ص 69.

(2) - سورة آل عمران، الآية 110.

(3) - المسند، الإمام أحمد ابن حنبل، (1398) ، المكتب الإسلامي، بيروت، ج 2 ص 381، المستدرك على الصحيحين، أبو عبد الله النيسابوري الحاكم، (د: ت) ، دار الكتاب العربي، بيروت، ج 2 ص 613.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت