القطع وهكذا، فالعقوبات الشرعية كلها رحمة بالأمة وبالمجرمين على درجات يوازن فيها بين مصلحة المعتدي ومصلحة الجماعة [1] .
الفساد لا يستشري فجأة بل يبدأ صغيرًا، فإذا لم يواجه بحزم أخذ يزيد حتى يعم، كما انه يبدأ خفية مع التزام الحذر من جانب مقترفيه، فإذا لم يتم الضرب على أيديهم، ازدادوا جرأة وجاهروا به، واجتمعوا على الرافضين للفساد، فاضطهدوهم وهو ما يظهر جليًا في قوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [2] ، فضرب لنا القرآن مثلًا للقرى التي أهلكها ذنوب أهلها، ورفضهم إتباع الرسل وتكذيبهم لهم.
وأهم هذه الأمثلة قوم لوط، فقد بدأت بالغنى الفاحش، والترف الشديد، ثم الانغماس في الشهوات، حتى أصابهم الملل، فبدئوا يبحثون عن الجديد الذي يشبع أهوائهم وشهواتهم، فوجدوا ضالتهم في الغلمان {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ} [3] ، ثم توسعوا وأضافوا الرجال {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} [4] ، ثم أصبحت الفاحشة علنية {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ. أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [5] ، وبعد أن كانت خفية أصبحت علنية في أنديتهم، وانصرفوا تمامًا عن النساء، ما دفع هؤلاء النسوة إلى السحاق، وبالتالي استحقاقهم جميعًا للعقاب القدري الدنيوي والأخروي، وما الفساد الأخلاقي إلا نوع من أنواع الفساد الكثيرة [6] .
{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ. كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [7] .
(1) - انظر تبيين الحقائق، فخر الدين عثمان الزيلعي، المتوفى 743 هـ، (1413) ، ج 3 ص 163، فلسفة العقوبة في الفقه الإسلامي، محمد أبو زهرة، (1963 م) ، ص 14، النظام العقابي الإسلامي، أبو المعاطي حافظ، (1976 م) ، ص 146 - 148، فلسفة العقوبة في الشريعة الإسلامية والقانون، فكري عكاز، (1402 هـ) ، ص 50.
(2) - سورة الإسراء الآية 16.
(3) - سورة الشعراء الآية 165.
(4) - سورة الأعراف الآية 81.
(5) - سورة النمل الآية 55،54.
(6) - الجمل، أحمد محمد عبد العظيم، المقاصد الشرعية للعقوبات الإسلامية، www.eastlaws.com //:http ، بتاريخ: 2/ 8/2011 م، بتصرف يسير.
(7) - سورة المائدة الآية 79،78.