إن العقوبات الشرعية التي تقام على الجاني تهدف إلى جبر الذنب الذي ارتكبه الجاني وجبر ما انثلم من دين المرء الذي اقتحم المعصية، فالعقوبات هي كفارات للذنوب التي اقترفها الجاني، وهذا ما ذهب إليه أكثر العلماء [1] ، ومما استدلوا به حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - وكان شهد بدرا وهو أحد النقباء في ليلة العقبة - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال وحوله عصابة من أصحابه: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف. فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه» . فبايعناه على ذلك [2] .
إن من الأهداف التي ترمي إليها العقوبات الشرعية مجازاة الجاني بالجزاء المكافئ للجريمة فيتحمله الجاني جزاء جريمته [3] .
وهذا هو العدل الذي ينشده الناس في حياتهم فلكل إنسان حقوق وعليه واجبات ولابد من الموازنة بينها، فإذا اختل هذا التوازن بالاعتداء على حقوق الآخرين أو الإخلال بالواجبات وجب حسم ذلك بالعقوبة العادلة التي تعيد التوازن وتحقق العدل [4] .
ويدل على فكرة اعتبار الجزاء غاية للعقوبات تصريح القرآن الكريم في العقوبة في جرائم الحدود بأنها الجزاء المقابل للجريمة. قال تعالى: إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ
(1) - شرح النووي على صحيح مسلم، أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، (1401 هـ) دار الفكر، بيروت، ج 11 ص 224، فتح الباري، أحمد بن حجر العسقلاني، (د. ت) ، توزيع دار الإفتاء، الرياض، ج 1 ص 66.
(2) - صحيح البخاري مع فتح الباري، أبو عبد الله محمد البخاري، (د. ت) رئاسة الإفتاء، الرياض، ج 1 ص 64، صحيح مسلم بشرح النووي، أبو الحسن مسلم بن الحجاج النيسابوري، (1401 هـ) دار الفكر، بيروت، ج 11 ص 64.
(3) - في أصول النظام الجنائي الإسلامي، محمد سليم العوا، (1976 م) ، ص 64 - 66، النظام العقابي الإسلامي، أبو المعاطي حافظ، (1976 م) ، ص 143.
(4) - حكم الحبس، محمد الأحمد، (1403 هـ) ، مكتبة الرشد الرياض، ص 73.