الصفحة 11 من 24

عقولهم ويغلقون في أنفسهم منافذ المعرفة والنور كما هاجم التقليد والمقلدين وذم الهوى وأصحابه واعتبره حجابًا يحول دون السمع والبصر والهداية، فهبطوا بذلك إلى دون مستوى الأنعام (شديد، 1994:161) قال تعالى {ولقد ذرأنا لجهنم كيثرًا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل - أولئك هم الغافلون} (الأعراف:179) ، وقال {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه أباءنا أولو كان أباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون - ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينفق بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً صم بكم عمي فهم لا يعقلون} (البقرة:170 - 171) ، وقال {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة، فمن يهديه بعد الله أفلا تذكرون} (الجاثية:23) . اكتفى القرآن في هذه المرحلة بمعالجة العقيدة وبلورتها وتعميقها في النفس الإنسانية باستخدام منظومة من الأساليب حتى أصبحت هذه العقيدة شيئًا حيًا متحركًا نشطًا له ارتباط وثيق بواقع الإنسان وبحس الإنسان وبدوافع الإنسان وبفطرة الإنسان وبتاريخ الإنسان وبحاضر الإنسان وبمستقبل الإنسان، فأصبح الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر الحد الفاصل بين الكفر والإيمان، ونقطة الانطلاق للإنسان المؤمن، والنواة التي يدور حولها نظام الإقناع القرآني، منحصر في هذه الفكرة الرئيسة أن صانعًا يتصف بالكمال المطلق والخير المطلق، خلق كل شيء في الوجود وأخضعه لإرادته خضوعًا مطلقًا {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله - لا نفرق بين أحد من رسله} (البقرة:285) ، وقال أيضًا {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهد بأنا مسلمون} (آل عمران:64) .

إن أولى المهمات التي خلق من أجلها الإنسان هي عبادة الله تعالى قال تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون وما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون} (الذاريات: 56 - 57) ، لقد سعى القرآن الكريم في تربيته للإنسان بعد الإيمان إلى توثيق صلته بالله تعالى، وحتى تكون هذه الصلة فاعلة ومؤثرة ربطها القرآن الكريم بالعقيدة والتي مثلت الجانب المعرفي لدى الإنسان، ويأتي دور العبادات لتمثل الجانب الروحي في هذه العلاقة، لذلك نجد كثيرًا من المشاهد في القرآن الكريم تعرض العقيدة الإسلامية أولًا ثم تنتقل بعد ذلك إلى الحض على العبادات التي هي ترجمة لمعاني العقيدة على الواقع ومن شأنها تهذيب نفس الإنسان وربطه بالغيب مباشرة قال تعالى {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين - الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} (البقرة: 3) ، وقال أيضًا {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا} (النساء: 103) ، وقال أيضًا {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} (التوبة: 18) ، وقال أيضًا {قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرًا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال} (إبراهيم: 31) ، وقال أيضًا {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري} (طه: 14) ، وقال أيضًا {والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون} (الشورى: 38) ، فواضح من النصوص القرآنية السابقة ارتباط العبادة بالعقيدة الإيمانية وهكذا يحدث التكامل بين الجانب المعرفي والجانب الروحي لدى الإنسان ويحدث جراء ذلك تفويض العلاقة إلى الله تعالى بالاستسلام له والانقياد له والإذعان له والتوكل عليه. وما عباده الدعاء إلا دليل واضح على أصالة فطرة الإنسان، فما من إنسان يمسه الضر وتضيق به السبل إلا ويلجأ إلى الله بفطرته قال تعالى {وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدًا أو قائمًا فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون} (يونس: 12) ، والعبادة في مجملها تزيل الحواجز والعقبات في طريق الإنسان إلى الله وصلته المباشرة به فليس بين الإنسان وبين الله حجاب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت