وإرادة واعية ومن ثم كان للعبادات المختلفة دور في تهيئة النفس الإنسانية للقوة واليقظة باستمرار. (شديد، 1994: 250 - 252)
لا شك أن الكون والإنسان والحياة تخضع لنواميس وسنن واحدة مستقرة وتعتبر هذه النواميس والسنن في وضعها المباشر أسبابا لما حدث ويحدث وما سيحدث في هذا الوجود ولها صفة الجريان والقهر لا يخرج عنها شيء وهي من تقدير الله تعالى وإحسانه وبالتالي تشكل نظام هذا الوجود المحكم المتقن فالكون والإنسان والحياة بهذا المعنى تخضع لنفس النظام ونواميسه والمتدبر للآيات القرآن الكريم يعقل ذلك بسهولة وعلى سبيل المثال ففي مطلع سورة الجاثية وصف لهذه السنن ودعوة إلى ملاحظتها واستشراقها، قال تعالى {إن في السموات ولأرض لآيات للمؤمنين وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون وتصريف الرياح آيات لقوم يوقنون واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون} (الجاثية:3 - 6) ، إن هذه الآيات وأمثالها تدل على اشتراك جميع المخلوقات في نظام واحد وهي مقهورة به لا تحيد عنه، ومن هذا المنطلق يمكن القول أن كل ما يحدث في هذا العالم منضبط بأسبابه، ففي قوله تعالى {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} مثلا تأكيد على أهمية الأسباب المادية التي هي نواميس كونية خلقها الله، وفي قوله {وتلك الأيام نداولها بين الناس} تأكيد أيضا على أن أي تغيير لا يمكن أن يتم إلا إذا توافرت له الأسباب المادية. هذا بالنسبة للأسباب التي لها صفة الجريان، أما ما ليس له صفة الجريان وإنما هو يأتي فجأة بإرادة {كن فيكون} فهي ليست مألوفة في الحياة ولا تحدث إلا على سبيل المعجزات للأنبياء والرسل وسببها في هذه الحالة (كن فيكون) ، لذلك لا ترتبط الأسباب المادية والتي هي نواميس هذا الكون بعقيدة ولا بجنس ولا بوضع، فلا يختلف في طلب الرزق مثلا ولا في الغلبة مسلم أو كافر، قال تعالى {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا} (الإسراء: 02) ، {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} . (الإسراء: 02)
إذن ما الذي يختلف بين المسلم والكافر في هذا المجال؟ ينظر المؤمن إلى السبب على أنه مكون من شقين متراكبين متوازيين يعملان كوحدة واحدة (شق الشهادة وشق الغيب) أنظر إلى التوكل على سبيل المثال وهو يمثل الشق الغيبي في طلب الرزق فالرزق لا يأتي إلا بالأخذ بالأسباب الشائعة في عالم الشهادة وهي تمثل جزءا من السبب ويتساوى فيه المؤمن والكافر فمن أخذ بالأسباب المادية حصل من الرزق ما شاء الله له أن يحصل ولا يجوع كافر بكفره، فما أهمية الشق الثاني من السبب وهو التوكل على الله لا بد أن نفهم قبل كل شيء أن الأسباب جميعها وبشقيها هي من قدرة الله ونعمه ثم أن للشق الثاني المتعلق بالغيب دور آخر، فهو يمثل نوع العلاقة بين الخالق والمخلوق فالتوفيق والتعسير والتوجيه والخذلان ونزع البركة لمن نسي الله هي مضمون الشق الغيبي، وجاءت الآيات الكريمة لتوضيح هذه المعاني فقال تعالى {واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا} (الكهف:45) ، وقوله تعالى {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجورهم بأحسن ما كانوا يعملون} (النحل: 97) فالذين يأخذون بالشق المادي من الأسباب لا شك أنهم يحوزون الرزق والغلبة وما يترتب على هذه الأسباب فهو من حتميات السنن {فلن تجد لسنة الله تبديلا} (فاطر:43)