وأساس العلاقة في المجتمع الإسلامي الأخوة {إنما المؤمنون أخوة} (الحجرات: 10) . تربط بين الأفراد بعد صلة الإيمان صلة الرحمة وصلة المحبة، والتكافل. قال تعالى {محمد رسول الله والذين معهم أشداء على الكفار رحماء بينهم} . (الفتح: 29) ، وقال أيضًا {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن أن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضًا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه واتقوا الله إن الله توابٌ رحيم} (الحجرات: 11) ، وقد وصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المجتمع المؤمن فقال: (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) ) (البخاري ومسلم) .
إذا كان القرآن أعطى للفرد كيانه واعتباره وعني بعقله وضميره وهيأ له أسباب الحياة الكريمة وضمن له كل أسباب العزة والقوة والحرية وأقام حساب آخر على مبدأ المسؤولية الفردية، فلا يعني ذلك أنه يريد منه أن يعتزل الحياة في خلوة أو يعتكف للعبادة في صومعة أو ينزع بسلوكه وعمله نحو الفردية المنعزلة.
ومنهج القرآن منهج جماعي يهدف إلى تكوين جماعة متميزة تحمل مبادئه وتعمل على تبليغها والجهاد في سبيل تأمينها والدعوة إليها وفرائض الإسلام جميعا تربي الفرد ليكون لبنة في بناء المجتمع وعضوا في جماعة المؤمنين، فالزكاة تربية للفرد على المساهمة بماله في سبيل إسعاد مجتمعه وفي بذله وصدقته وبره إحساس بالجماعة وشعوره بالأخوة والحب، وكذلك الصوم شعور بوحدة الأمة والصلاة إحساس بالجماعة {لا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} . (فصلت: 34 - 35)
وهكذا غلق القرآن أبواب العلائق جميعًا إلا ما كان منها قائما على أساس الإيمان وجعل من العقيدة صلة أقوى من صلات القرابة والرحم وجعل من المؤمنين أمة واحدة تجمعهم رابطة الإيمان بالله وعلى أساس هذه التربية أقام الرسول الكريم مجتمعه الجديد في المدينة. (شديد 1194: 316)
وعلاقة الحب قائمة بين أفراد المجتمع المسلم وعليها تبنى العلاقات فيحس المؤمن أنه واحد من الأمة المؤمنة المتميزة في الأمن تحت راية الله، له من جهادهم رصيد ومن عملهم أسوة ومن ذكرهم سكينة ومن حبهم زاد على طول الطريق {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا - ربنا إنك رؤوف رحيم} . (الحشر: 30)
ح- التوازن:
دعى الإسلام إلى التوازن في كل شيء فالكون كله مبني على ذلك، فقد خلق الله كل شيء وقدره تقديرا محكما قال تعالى {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم} (الحجر?21) ، وقوله {قد جعل الله لكل شيء قدرًا} (الطلاق? 3) ?
والمتتبع لآيات القرآن الكريم يجد الدعوة إلى التوازن في كل شيء واضحة صريحة فهو تارة يربطها بخلق السموات والأرض وخلق كل شيء وتارة يربطها بمفهوم الخيرية والتي فيها مصلحة الإنسان نفسه قال تعالى {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ومالها من فروج} (ق:6) ، {والسماء رفعها ووضع الميزان، ألا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن ولا تخسروا الميزان} (الرحمن? 7 - 9) ?