تعالى أكرم الإنسان بما يناسبه منها. فلا يجوز للإنسان أن ينسى أن ما به من نعمة وكرامة وتميّز فمن الله تعالى خالقه ومعلمه ومتكرم عليه بالخلق والتميز. إذن فهي منظومة تربوية حدد عناصرها مجموعة من العلاقات عرفت الإنسان بالخالق وبصرته بنفسه وكشفت له جانبًا هامًا من قدراته على بناء الحضارة الإنسانية. وتتسع دائرة هذه المنظومة حتى تشمل تفصيلات دقيقة عن خلق الإنسان على اعتبار أنه طرف في ثنائية الوجود (الكون والإنسان) . فاكتساب المعرفة من الآخرين بالسمع واكتسابها بالملاحظة والبحث بالبصر وتنقيتها وإنضاجها بالفؤاد ونقلها وإشاعتها بأدوات اللغة اللسان والشفتان منظومة من الأدوات تعمل معًا وتتضافر بعضها على بعض بمنة الله وحكمته لتصنع حضارة راقية للإنسان.
هذه المنظومة التي تكشف عن مؤهلات الإنسان للتكريم والتميز لا بد وأن لها هدفًا فلم يخلق الإنسان عبثًا ولا لهوًا، وكذلك الكون قال تعالى {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين - وما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون} (الدخان: 28 - 29) ، وقال في خلق الإنسان {أيحسب الإنسان أن يترك سدى، ألم يك نطفة مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى} (القيامة: 26 - 28) ، لقد استويا في الخلق والتدبير إلا أن للإنسان مهمة أخرى غير مهمة الكون فهو مبتلًا بتكاليف خلق من أجل تحقيقها قال تعالى {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعًا بصيرًا - إنا هديناه السبل إما شاكرًا وإما كفورًا} (الإنسان: 2 - 3) .
ففي ضوء مكانة الإنسان وتميزه بين الكائنات وقدرته على التمييز بين الخير والشر وحرية إرادته في الاختيار حدد القرآن مهمة الإنسان ومسؤوليته وجزاؤه فقال تعالى {فأقم وجهك للدين حنيفًا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} (الروم: 30) ، فالإيمان بالله تعالى وباليوم الآخر أساس هذه الفطرة وهذه الأمانة. والوحدانية لله تعالى مغروزة في فطرة الإنسان قال تعالى {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة أنا كنا عن هذا غافلين - أو تقولوا إنما أشرك أباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون} (الأعراف: 172 - 173) ، الإيمان بالله وربوبيته هو ما فطرت عليه النفس الإنسانية وجبلت على معرفته وجذوره عميقة في هذه النفس لا سبيل إلى إنكارها أو التخلص منها بالرغم من كل ما يمكن أن يطرأ عليها ويعلق بها من أوطار الوراثة والبيئة وخرافات العرف والتقاليد والغفلة.
لقد عني القرآن ببلورة العقيدة الإيمانية وترسيخها في النفس الإنسانية فالغاية هي هداية البشر وتحقيق سعادتهم في الدنيا والآخرة وإعانتهم على إعمار الأرض والاستفادة مما سخره الله لهم في هذا الكون، وحتى تتحقق هذه الغاية لا بد من ارتكازها على قاعدة متينة تنبثق منها كل المفاهيم وتتصل بها كل القضايا وتتكامل في رحابها كل التوجيهات وتنقاد لها كل الدوافع، هذه القاعدة المتينة يجب أن تمثل أولى العلاقات واصلها، علاقة الإنسان بخالقه فهي علاقة العقيدة الصحيحة والإيمان الصادق المبني على اليقين والمبني على التمثل الذاتي لكل عناصره فتصبح هذه العقيدة وهذا الإيمان جزءًا من الذات الإنسانية لا ينازعه فيها منازع. لذلك نجد أن أول ما اهتمت به الآيات الأولى التي نزلت في العهد المكي هو تكوين العقيدة الإسلامية بعناصرها الإيمانية التي تشكل معًا صورة منظومية عن الوجود منذ اللحظات الأولى لخلقه وإلى ما بعد الحياة الدنيا، فهي وصف لمسيرة هذا الوجود وعلاقاته بخالقه فجاءت الآيات والسور المكية دعوة للبشرية للإيمان بالخالق المبدع المدبر الذي له الخلق وله الأمر {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} (الأعراف:7) ، كما اهتم هذا الجزء من القرآن في إثبات بطلان عباده غير الله من أوثان وأصنام وغيرها وجادل المشركين في ذلك وأورد لهم الأدلة الدامغة مما هو معروف لديهم من الآيات الكونية وقصص الأنبياء الذين جاؤوا من قبل ومعاناتهم مع أقوامهم وما آلت إليها حال الكافرين منهم. في هذا المقام شنع القرآن الكريم على الغافلين الذين يعطلون