ترجع كلمة التربية في أصلها اللغوي إلى الفعل ربا يربو أي زاد ونما [1] وفي القرآن الكريم {وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت} {قل ألم نربك فينا وليدًا ولبثت فينا من عمرك سنين} ، {وقل رب أرحمهما كما ربياني صغير ًا} .
و ترجع أيضًا إلى ربي يربى على وزن خفي يخفى ومعناها نشأ وترعرع. كما ترجع إلى ربّ يربّ على وزن مدّ يمدّ بمعنى أصلحه وتولى أمره وساسه وقام عليه ورعاه، ورببت الأمر أربّه ربا وربابًا أي أصلحته ومتنته لذلك أتخذ علماء المسلمين الأوائل من هذه الأصول تعريفا ًللتربية، فالإمام البيضاوي يرى أن الرب في الأصل بمعنى التربية وهي تبليغ الشيء إلى كماله شيئًا فشيئًا ثم وصف به الله تعالي للمبالغة. أما الأصفهاني فيرى أن الرب في أصل التربية هو إنشاء الشيء حالا فحالًا إلى حد التمام (النجلاوي، 1979: 12 - 13) . أما علماء التربية المحدثون فيرون أن التربية هي تلك العملية التي عن طريقها يتم تنمية جوانب الشخصية الإنسانية في مستوياتها المختلفة، مستوى الوعي والإدراك المعرفي، والمستوى العاطفي والوجداني والذي يشتمل على الميول والاتجاهات والقيم، والمستوى الحركي والنزوع والمهارة، والذي يتصل بالمهارات العملية المختلفة والتي تعتمد بالدرجة الأولى على حركة البدن. (علي، 1995: 18)
ويميل الانسان بفطرته إلى تنظيم عناصر السلوك تنظيمًا محكمًا بالاضافة إلى أنه يتعين عليه أن يتصدى إلى مشكلات الوجود الاساسية على مستوى الفرد (المحافظة على البقاء الفيزيقي للكائن العضوي المنعزل اوالمستقل) وعلى مستوى الجماعات فأنها تواجه مجموعة من المشكلات الاساسية الخاصة بالحياة الاجتماعية التي لا تقل أهمية عن ذلك (شكري، 1979: 187) .
وإذا كنا نؤمن أن أنحراف السلوك أنما هو نتيجة لانحراف في الفكر فاننا لا نؤمن بان تصحيح الفكر يؤدي حتمًا إلى تصحيح السلوك، فكثير من الناس يعون قيمة الوقت ومع ذلك تراهم يتخلفون عن المواعيد ويتأخرون، أننا لا نرى تلازمًا ضروريًا بين حسن الفهم وسواء السلوك وانما الامر أمر احتمال فهناك بعض غير قليل يصححون سلوكهم عندما يدركون الحقيقة. أن مهمة المربي هي تعبئة الاجواء التي تعين على أن يكون السلوك سويًا لكنه لا يحمل الناس على ذلك (علي، 1995:16) ومع ذلك فان النفس البشرية تحتاج إلى دوام التربية و استمرارية التوجيه فهي ليست آله وليست حالة منتهيه ولكنها دائمة التقلب متعددة المطالب متعددة الاتجاهات، فهي بحاجة إلى تربية وتوجيه مستمران. (قطب، 1984:54) . إن من أبرز مهام عملية التربية أي تربية هو مساعدة المتعلمين على فهم العالم وفهم أنفسهم وتنمية فهم أعمق وذي معنى لذلك وزيادة مضطردة لقدرات المتعلمين على إدراك العلاقات بين الأشياء والأحداث وإيجاد تكامل جديد وأن يصبحوا أكثر قدرة على التعبير عن أنفسهم في مضمار تنمية قدراتهم الابتكارية الإبداعية فترتقي بهم إلى مهارات تفكير عليا وفي نهاية المطاف، فالتربية هي إعداد للمتعلمين للحياة وإعمار الكون والعمل المنتج (جابر، 1977: 7 - 10) .
أن التربية بحكم طبيعتها إذ تتجه إلى إجراءات عملية وتطورات تنفيذيه فان ذلك لا بد أن يستند إلى وجهة نظر وإلى فكرة وإلى فلسفة وإلى ايدلوجيا وإلى إطار فكري أيًا كانت التسمية، فهي كلها تعبر عن حالة ضرورة تكمن في طريقة فكرية أن صح هذا التعبير، بناء عليها يجول المربي في دنيا السلوك البشرية (علي، 1995: 24) . أننا بحاجة إلى تربية هادفه تعمل على المحافظة على فطرة الانسان ورعايتها وتنمية مواهبه واستعداداته كلها وتوجيه هذه الفطرة وهذه المواهب كلها نحو صلاحها وكمالها اللائق بها ووفق خطة
(1) (*) راجع ما جاء من المعجم الوسيط، ج 1، ط 3، ص 333، ولسان العرب لابن منظرو المجلد الرابع عشر، ص 304 - 305.