العظيمة. فالإنسان والكون كلاهما عنصر من عناصر منظومة الوجود متساويان في المخلوقية لله ومحكومان بنفس القانون الإلهي في السيطرة والتدبير وتحديد المصير. وعلاقة الإنسان بهذا العالم هي علاقة مبنية على وحدة الوجود ووحدة التكوين ووحدة النظام.
أ- تسخير الكون للإنسان:
إن مظاهر الوحدة بين الإنسان والكون دلالاتها معنى الاشتراك بينهما في جزء من الطبيعة المادية بحكم الانتماء لنفس الظروف. ولكن في التفاضل القيمي يبقى الإنسان متميزًا على الكون تميز استعلاء ورفعة، فمن حقيقة الوحدة بين الإنسان والكون وحقيقة استعلائه عليه نشأت حقيقة ثالثة في نطاق رفعة الإنسان وهي حقيقية تسخير الكون للإنسان، فلما كان الإنسان يشترك مع الكون في وحدة تركيب مادي فإنه يكون بذلك مهيئًا لأن يتفاعل معه تفاعل انتفاع، إذ التجانس شرط في هذا التفاعل قال تعالى {ولقد كرمنا بني آدم، وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثر ممن خلقنا تفضيلا} (سورة الإسراء: 70) . فمن تكريمه أن مكنه الله من استخدام ما حوله من مسخرات وقوى كونية ولفت نظره إلى أنه مسلط عليها بإذن الله قال تعالى {الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار وآتاكم من كل ما سألتموه، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها - إن الإنسان لظلوم كفار} (إبراهيم: 32 - 34)
إن علاقة الصراع التي تقول بها بعض الفلسفات بين الإنسان والطبيعة صراع ينبئ بروح عدائية قائمة بينهما تعبر عنه ألفاظ مثل غزو الفضاء وأمثالها، وعمل الإنسان المادي على مصارعه الطبيعية بقصد إخضاعها لرغباته المادية لهي في نظر القرآن الكريم أوضاع مرذولة، والعلاقة التي يجب أن تكون هي علاقة تفاعل وإعمار وإصلاح وانتفاع وحماية للطبيعة، وقد وصفها القرآن بأنها علاقة خير وإحسان بينما ما تتصوره تلك الثقافات عن عدائية العلاقة وتحولها إلى صراع بين طرفيه هي علاقة شر وخسران مرفوضة ولا تصلح لإعمار الكون والانتفاع به قال تعالى {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وأدعوه خوفًا وطمعًا إن رحمة الله قريب من المحسنين} (الأعراف:56) ، وقال {وإلى مدين أخاهم شعيبًا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره وقد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين} (الأعراف: 85) ، وقال {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم} (محمد: 22 - 23) ، وقال {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام، وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد} (البقرة: 204 - 205) ، وقال تعالى {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون} (البقرة: 27) ، وقال تعالى {والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار} (الرعد: 25) ، وقال أيضًا {وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين} (القصص: 77) .
ب - تميز الإنسان:
فالإنسان الذي يحتل هذه المنزلة العالية بين المخلوقات ليس حيوانًا ناطقًا أو عاقلًا أو اجتماعيًا كما يقول بعض الفلاسفة أمثال أرسطو ولا متطورًا عن إحياء أدنى منه بل هو مخلوق مكرم من اللحظات الأولى التي خلقه الله فيها وهذه المنزلة واضحة في قصة الخلق الأولى عندما أمر الله الملائكة بالسجود له عند اكتمال خلقه وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرًا من صلصال من حمأ مسنون، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له