الصفحة 17 من 24

إن تحرك الإنسان وطلبه بعمله النتائج بأسبابها الصحيحة هو طلب من الله أن يفي بوعده والله لا يخلف الميعاد فهذه الأسباب جاهزة للتلبية لأي من بني البشر عند طلبها الصحيح، ولكن ما فائدة الشق الغيبي؟

إن من لا يرى أهمية لأسباب الغيب فإنه مهما حصل من ربح وفائدة وغلبة ونجاح، فإن الاعتبارات القيمية والخيرية في استعمال هذه النتائج تبقى مبلبلة وغامضة ومهملة فيتصرف صاحب الربح بربحه فيما لا ينفع وينغمس في اللذات والمتع الحرام والاعتداء والاستعلاء والبغي والفساد والصد عن سبيل الله، أما من يأخذ بالأسباب المادية والغيب فيحوز النتائج من ربح وتوفيق ويوفق لحسن استعمالها والاستفادة منها لدنياه وعاقبة أمره لا يستعلي ولا يتكبر ولا يتجبر، وإذا أصابته مصيبة من السماء صبر واحتسب ذلك لوجه الله. هذا المفهوم المركب للأسباب هو ما أوضحه القرآن الكريم وسعى إلى تعميقه في النفس الإنسانية.

هـ- قيمة الحب:

اهتم القرآن بقيمة الحب وجعلها من المعايير الأساسية لتنظيم العلاقة بين الفرد وربه وبين الفرد والرسول صلى الله عليه وسلم وبينه وبين مجتمعه. وبمقدار ما تكون هذه القيمة مؤصلة في النفس الإنسانية تكون هذه العلاقة متينة وقد جعل القرآن محبة الله تعالى هي الأساس {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} (البقرة: 165) ، فحب الله نواة الإيمان ولا يصلح إيمان بلا حب فبمقدار هذا الحب ينقاد الإنسان ويخضع ويسلم لله تعالى في كل شأن ويرجع إليه في كل أمر ويترتب على حبه لله تعالى حب الرسول المبعوث من عند الله فهو القدوة الحسنة والمثل الأعلى الكامل والتطبيق العملي لمنهج القرآن وصلته بالله، ففي إتباعه ضمان من السرف والانحراف والشطط وسبيل إلى حب الله {فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم} . (آل عمران: 31)

إنها التربية العملية على حب الله وطاعته، وحب الله ثمرة المعرفة والعبادة فقد أثنى القرآن على المؤمنين الذين وصلت بهم عبادتهم إلى هذا المقام، وهو حب له أثره وثمرته في النفس ولا بد أن يؤدي إلى حب ما تحبه النفس وتهواه {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} (التوبة: 24) ، فحب الله ورسوله فوق كل حب والإحساس الدائم بنعم الله وفضله ينمي عاطفة الحب ويؤدي إلى السمو إلى مقام الشكر وشكر النعم نوع من الإحسان.

و- القيمة الفردية مقابل القيمة الاجتماعية:

تتشكل شخصية الإنسان من جانبين معًا الجانب الفردي والجانب الاجتماعي، فهو شديد الإحساس بفرديته ويميل إلى الاجتماع بالآخرين والحياة معهم كواحد منهم، لذلك أكد القرآن على تربية كل من الجانبين، فالجانب الفردي مهم في تحمل المسؤولية والنهوض بالتكاليف والجانب الاجتماعي مهم في المساهمة في بناء المجتمع الإنساني المؤمن بناءً صحيحًا قويًا. فالإنسان حرٌ في تصرفاته ما دام يخشى الله ويتبع أوامره ونواهيه فهو لا يخشى أحد إلا الله. والمجتمع الإسلامي الحق الذي يقوم على الإيمان بالله وخشيته مجتمع عادل لا يظلم فيه ضعيف ولا يجور فيه قوي، ثم أن المؤمنين أخوة فلا تفريق ولا استعلاء على أساس الجنس أو اللون أو القوميات أو الثروة قال الله تعالى {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وبالوالدين إحسانًا وبذي القربى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالًا فخورًا} . (النساء: 36)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت