قال تعالى {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا إلي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} (البقرة: 186) .
تصبح الحياة بهذا المفهوم عبادة متصلة وحين يسمو الإنسان بهذا التصور فيجعل حياته كلها خالصة لله تصبح أعماله وأقواله صلاة وتسبيحًا وتتسع صورته حتى يتجاوز ذاته وحسه وأرضه، فيرى الوجود كله محرابًا تدب فيه الحياة مؤلفًا من كائنات تتوجه كلها إلى الله بالدعاء والعبادة والتسبيح وبهذه الصورة تتحقق رسالة الاستخلاف في الأرض وعمارتها (شديد، 1994: 33) ، قال تعالى {تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم} (الإسراء: 44) ، لقد أوضح القرآن الكريم أن مدلول العبادة شامل لا يقتصر على الفرائض فالحياة في منهجه وحدة كل ما فيها لله لا يفصل بين طريق الدنيا وطريق الآخرة ولا يفرق بين الفرائض والسلوك ويجعل كل حركة في حياة الإنسان وتحقيق الصلة بعقيدته الإيمانية يتوجه بها إلى ربه منفذًا بها أمره ومحققًا رسالته {قل إن صلاتي ونسكي وحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} (الأنعام: 161 - 162) ، ومنهج العبادة يلبي في الإنسان فطرته، ويجعل منها تربية لنفسه وعلاجًا لضعفه وينير له طريقه ويحدد معالمه، حتى يصل إلى غايته دون شطط أو ضلال ويقوم هذا المنهج على فكرة القرآن عن وضع الإنسان مع الكون والحياة وفطرة نفسه على التقيد والتوجه إلى بارئها بالتضرع والدعاء، وهدفه أن يضع الإنسان في مكانه الصحيح من الكون، حتى لا يخرج على سننه ولا ينحرف عن ناموسه، فخروجه وانحرافه لا يؤديان به إلا إلى الضلال والفساد والشقاء، وليس هدفه مجرد إظهار العبودية لله، فهو سبحانه غني حميد، إنما هو سبيل الإنسان الوحيد لبلوغ غايته في الحياة وهو الصراط المستقيم الذي يحقق سعادته في الدنيا والآخرة، ولكل شيء في الكون منهج مقدر يسير على هداه، لو خرج عنه لفسدت السموات والأرض وتعذرت الحياة. (شديد، 1994: 214 - 215) .
والاستخلاف في الأرض وإعمارها جزء من هذه الأمانة وقد جبل على الاستعداد للاضطلاع بهذه المهمة وأنفرد بها عن سائر المخلوقات قال تعالى {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم - وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة - قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون} (البقرة:2930) ، ففي هذه الآيات أن الله أعد الأرض بجميع ما فيها لمصلحة الإنسان لم يكن الإنسان غريبًا عن هذه الأرض فهو من طينتها بينه وبينها تمتد أواصر المحبة والألفة فلن يكون خصمًا لها ولا مصارعًا لها واستخلفه فيها لعلمه سبحانه وتعالى بما فطر عليه الإنسان من قدرة على إعمارها والاستخلاف فيها رغم توقع الملائكة عكس ذلك ولكن الله هو الذي خلقه ويعلم وما توسوس به نفسه قال تعالى {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} (ق: 16) .
إن الله تعالى هو المربي وهو المعلم للبشرية لا جدال في ذلك، وتتم هذه التربية عن طرق مختلفة من أهمها الابتلاء، ويتم في عملية الابتلاء اختبار لعمق العقيدة وثباتها وبه تصاغ شخصية الإنسان صياغة خاصة يتم فيها تدريب النفس الإنسانية وتمكينها وعجم عودها فلا تعود مهددة بالاقتلاع مهما اشتدت بها العواصف، فالإيمان في الرخاء سهل ولا يكلف صاحبه شيئا كثيرًا ولا يهدده في أمنه وسلامته ولكن حقيقة الإيمان لا تتبين حتى لصاحبها إلا بالابتلاء، وهي تدريب للعزيمة الإنسانية والإرادة الإنسانية على الاستعداد للنهوض بالبناء الإنساني والمواجهة والتمكين في الأرض وتحمل المشاق والتعويد على الجهد والاستمرار فيه، وإعداد روحي ونفسي وعقلي وبدني للقيام بأخطر مهمة في الكون كله مهمة الاستخلاف في الأرض، ذلك الابتلاء يجعل الإنسان قادرا على حمل التبعة الثقيلة بشقيها؛ مواجهة التكاليف الباهظة بنفس راضية والارتفاع إلى مستوى القدوة إنه يدربه