الفصل الثاني
التحديات الإجرائية للجريمة المعلوماتية
اتضح لنا من الفصل السابق أن الجريمة المعلوماتية ترتكب باستخدام التقنية المعلوماتية مما يعني أنها ترتكب في فضاء افتراضي مفرغ cyberspace ، سواء ارتكبت عبر شبكة الإنترنت أم في داخل نطاق ذات المؤسسة التي يتم الاعتداء عليها، أو ارتكاب الجريمة من خلالها، و تعرضنافي الفصل السابق أيضًا إلى المشكلات الموضوعية التي تثيرها هذه الجرائم في تطبيق القواعد التقليدية لقانون العقوبات الذي صيغت جل نصوصه ونظمه الأساسية لتواجه سلوكًا ماديًا يرتكب في عالم مادي ملموس، فإذا كان ذلك هو حال القواعد الموضوعية للتجريم و العقاب، فما هو حال القواعد الإجرائية لهذا الفرع من القانون الجنائي؟ وهو ذلك الفرع الذي يتأسس في كل النظم القانونية المختلفة على مبدأ دستوري هو الشرعية، أي شرعية التجريم و العقاب، الذي تنبثق عنه قاعدة الشرعية الإجراءائية، و ما يميز هذه الجريمة هو أنها ترتكب في مسرح اليكتروني أو مجال مفرغ يختلف كليًا عن المسرح التقليدي الذي ترتكب فيه الجريمة حيث يتم الاستدلال عليها وضبطها و اثباتها بالوسائل التقليدية المتمثلة في اجراءات الاستدلال و التحقيق، فهي اجراءات صيغت لضبط و اثبات جرائم ترتكب في عاالم ملموس ماديًا، يلعب فيه السلوك المادي الدور الأكبر و الأهم، وهنا يثور التساؤل حول مدى صلاحية هذه الإجراءآت لضبط وإثبات جريمة ارتكبت في عالم افتراضي غير ملموس؟ أما إذا ارتكبت الجريمة عبر الشبكة العنكبوتية الدولية (الانترنت) تزداد العقبات القاونية صعوبة، فلا نكون أمام مشكلات اجرائية تخص ضبط الجريمة و اثباتها فحسب، بل نجد انفسنا أمام مشكلة أكثر تعقيدًا تتمثل في تحديد الاختصاص القضائي المرتبط بتحديد القانون الواجب التطبيق على هذه الجريمة، فقواعد الاختصاص القضائي التقليدية صيغت لكي تحدد الاختصاص المتعلق بجرائم قابلة للتحديد المكاني للجريمة، وهي قواعد ترتكز على مبدأ الإقليمية، وهو ما يرتبط بسيادة الدولة على إقليهما، فلا يكون الخروج عليه بقبول اختصاص قضائي أجنبي إلا في حالات استثنائية يجب النص عليها صراحة، وهنا تثور امامنا مدى امكانية الاعتماد على هذه القواعد لتحديد الاختصاص القضائي لجريمة ترتكب في مجال تنعدم فيه الحدود الجغرافية، وكثيرا ما يكون مرتكبيها في بلاد مختلفة و من حنسيات متعددة، و كثيرا ايضا ما يتعلق السلوك الاجرامي باكثر من دولة: الدولة التي ارتكب فيها السلوك و الدولة التي تم فيها القبض على الجاني و تلك التي حدثت فيها النتيجة الاجرامية و هو ما يتطلب منا التطرق الى مشكلات ضبط الجريمة المعلوماتية