إن تعريف العلماء للفقر من حيث المبدأ اقتصر على حاجة المأكل والملبس، إلا أن العبارات اللاحقة، والشروح تظافرت في تأكيد شمول الفقر لحاجات متعددة، وعدم اقتصار لفظ الفقر على حاجة المأكل والملبس، ونذكر نماذج من عبارات العلماء، ولم يختلف العلماء من فقهاء، ومفسرين، وشراح الحديث في هذا, فمن نماذج عبارات المفسرين ما ذكره القرطبي عند تعريف الفقير، وبعدما قصره من حيث المبدأ على حاجة المأكل والملبس, وبعدما أطال الحديث عن التفرقة بين المسكين والفقير، وأن موضوع الحاجة واحد، قال: (قلت وهذا القول عكس ما ثبت في صحيح مسلم عن عبدالله بن عمرو، سأله رجل، فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ , فقال له عبدالله ألك امرأة تأوي إليها؟، قال: نعم، قال ألك مسكن تسكنه؟، قال نعم ,قلت فأنت من الأغنياء، قال: فإن لي خادما، قال: فأنت من الملوك.) [1] .
إن هذه العبارة ظاهرة الدلالة على تأييد القرطبي لشمول الفقر لحاجة الزواج، وهذا نقض لقصر الفقر في حاجة المأكل والملبس, ولم يذكر تبريرا لهذا التناقض، وقال في عبارة أخرى تأكيدا لهذا المعنى وقال: (وقابل الجملة بالجملة, وهي جملة الصدقة بجملة المصرف، وبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لمعاذ حين أرسله إلى اليمن"أخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم, فاختص أهل كل بلدة بزكاة بلدة") [2] .
إن هذه العبارة وإن أوردها القرطبي في معرض الاستدلال على اختصاص الزكاة بأهل البلدة إلا أنها تدل على عموم لفظ الفقر في الآية، وشموله للأصناف الأخرى، وذلك من وجوه أهمها:
-إن جملة الصدقات مقابلة للفقراء، وجملة الصدقات مجملة، فالمصرف مجمل، أي إجمال الوسيلة قابله إجمال المصرف، وإجمال المصرف يعني عموم لفظ الفقراء.
-استدلاله بحديث معاذ، والحديث اقتصر على لفظ الفقراء، مع اتفاق الفقهاء على شموله لكل المصارف، وفي هذا إشارة إلى عموم لفظ الفقر.
-في بيانه لمقابلة الجملة بالجملة اقتصر على ذكر لفظ الفقراء في مقابل الصدقات، وفي هذا إشارة إلى شمول الفقر للمصارف الأخرى.
(1) -- القرطبي, أحكام القرآن 8/ 171.
(2) - القرطبي, أحكام القرأن 8/ 174.