إن هذا المسلك ساد في الأوساط العلمية، من مفسرين وشراح الحديث وفقهاء، فمثلا بعد الاتفاق على أن أساس التفرقة بين الفقير والمسكين هو قدر الحاجة وتوسعوا فيما يدخل في معنى الفقر عند الشرح وتحديد الحاجات، يقول النووي (والمعتبر المطعم، والملبس والمسكن، وما لا بد منه على ما يليق بحاله) [1] ، ويقول الكاساني (فإن عقلنا المعنى في الزكاة، والمسكنة, فجميع الأصناف في هذا المعنى واحد) [2] ,ويقول الحطاب (والظاهر أنه يعطى ما يسد به ضروراته الشرعية ... يعطى من الزكاة ما يصلحها من ضروريات النكاح والأمر الذي يراه القاضي حسنا) [3] , ويقول الدسوقي (يدفع من الزكاة للفقير كفاية سنة ... وإن اتسع المال زيد العبد ومهر الزوجة) [4] .
إن الكتابات الحديثة لم تحمل أي جديد في موضوع البحث، فمن عرف الفقر والمسكنة في باب الزكاة أسسها على قدر الحاجة لا موضوعها، ومن ترك التعريف وركز على التطبيقات ونقل مضمون آراء الفقهاء أعطى للفقر معنى أوسع من الحاجة للمأكل والملبس، بل نقل اتفاق الفقهاء على هذا المعنى للفقر، ومن ذلك ما ذكره القرضاوي من اتفاق الفقهاء على عدم اقتصار الفقر على حاجة المأكل والملبس، وشموله لحاجة الزواج والعلم، وسائر ضروريات الحياة العصرية، وختم مناقشته لآراء الفقهاء ومضمونها بقوله (فمن الرائع حقا أن يلتفت علماء الإسلام إلى أن الطعام والشراب واللباس ليست هي حاجات الإنسان فحسب، بل إن في الإنسان دوافع وغرائز أخرى تدعوه وتلح عليه وتطالبه بحقها من الاشباع .... ومن ذلك غريزة النوع والجنس ... ولا عجب إذا قال علماء الإسلام أن من تمام الكفاية ما يأخذه الفقير ليتزوج به إذا لم يكن له زوجة، واحتاج للنكاح, بل قال بعضهم إذا لم تكفه زوجة واحدة زوج باثنتين, لأنه من تمام الكفاية.) [5] .
نختم هذه النماذج من عبارات العلماء بنموذج أعده غريبا، حيث أن العرض واضح في دلالته على شمول الفقر للأضناف الأخرى, ووقوف المؤلف على التناقض الظاهري بين تعريف الفقر وتطبيقاته عند الفقهاء، وهذا يدفعك لانتظار التوجيه، أو تأييد القول بعموم لفظ
(1) - النووي - أبو زكريا محي الدين بن شرف النووي - المجموع في شرح المهذب - مطبعة التضامن - ب ط - ب ت - 6/ 19 وما بعدها. 6/ 191.
(2) - الكاساني , بدائع الصنائع 2/ 43.
(3) - الحطاب , مواهب الجليل 2/ 343.
(4) - الدسوقي - محمد عرفة الدسوقي - حاشية الدسوقي على الشرح الكبير - بيروت لبنان - دار الفكر - ب ط - ب ت - 1/ 494
(5) - القرضاوي, فقه الزكاة 2/ 569