-ولكن ماذا .. ؟
وأجاب بصوت هادئ عميق النبرات:
-يا سيدتي .. إن الوصول إلى القمر، لأهون ألف مرة من الوصول إلى يسار ..
ثقي يا سيدتي أنه لم تر عيني مثله بين الزهاد .. لا هنا ولا هناك. وأشار بيده إلى الشرق البعيد، وبقي لحظات مشيرًا بيده، واقفًا كالتمثال، مثبتًا بصره على الناحية التي أشار إليها.
فأطرقت الجارية، وتغير لونها، وقالت بصوت انتزعته من بين آلامها:
-بالله عليك يا عربيد .. لا تذكرنا بتلك الأيام.
ثم تنهَّدت تنهَّدة عميقة وقالت:
-إننا في حاجة إلى النقود يا عربيد.
فخفض يده، وعاد إلى وقفته الأولى، وقد شعر أنه استطاع أن يؤثر عليها.
فتبسَّمت، ونظرت إليه بلطف، وقد لمعت عيناها على ضوء القنديل الذي يتسلَّط عليها .. وقالت بصوت هادئ خافت ودود:
-والآن .. حدثني يا عربيد .. أخبرني بكل شيء .. بكل ما رأيت وسمعت. قال، وقد انقاد إلى لهجتها:
-رأيت نازك الرومي، خادم الشيخ القاضي محمد صالح، يهم بدخول الدار، فاستوقفته، وأخبرته بأني أريد أن أقابل يسارًا على انفراد. فأخذ بيدي إلى غرفة قريبة من الديوان .. وانتظرت حتى أقبل يسار. متوسط القامة، أزهر اللون، تبرق أساريره بنور جذَّاب، نحيفًا، تجلله المهابة، ويعلوه الوقار، يحس بروعته الناظر إليه .. أقسم لك يا سيدتي، إنني لم أندم في حياتي مثل ندمي هذه الليلة. ندمت أنني قدمت في مثل هذه المهمة وعلى هذا الرجل الذي .. الذي يعيش في هذه الدنيا وروحه معلقة