كان أبو أنس قد التقى به عصر هذا اليوم في السوق الكبير، وسلَّمه رقعة مطوية قال إن الشيخ قد بعثها له ..
وحوَّل الكأس من يده اليمنى إلى اليسرى، وخفضها حتى لامست المائدة، ثم مدَّ يده يتحسس الرقعة في جيبه، فأخرجها، وفضَّها، فقرأ فيها:
(( إني أذكِّرك .. إن الشيطان سوف يدخل عليك من أبواب شتى، وعلى رأسها المرأة .. فاعتصم منه بذكر الله الدائم، وبغض نظرك، وتلاوة القرآن.
وذكر نفسك، أن وجه المرأة الجميل هذا، صائر إلى جيفة قذرة يقتتل عليها الدود، وأن في الجنة من الحور العين ما تستحي منهن الشمس الطالعة )) .
كانت الرقعة بخط الشيخ نفسه ..
إن الشيخ لم ينسه ولم يهجره كما خيل له ..
هاهو يذكِّره ..
ويحذِّره ..
وكان أبو محمود مستمرًا في الضحك، مستمرًا في إغرائه على شرب الكأس.
أما الجارية، فقد لاحظت التغير الذي طرأ على وجهه، فسحب نفسها قليلًا قليلًا، ولاذت بقرب حسَّان. وأخذ سعيد بن منصور ينظر إلى القناديل التي بدأ نورها يسطع ..
ومضى أبو محمود يحثُّه ويغريه:
-اشرب .. لابد أن تشرب ..
أنا الذي جئت بك إلى هنا .. أنا الذي أخرجتك مما كنت فيه من العبادة .. أنا الذي أخرجتك من المسجد .. !
متِّع نفسك .. انس الدنيا .. فغدًا نموت .. نموت ونترك الدنيا لغيرنا ..