هكذا قال الشيخ .. عندما كان يتحدث بهدوء وتؤدة، فيجذب إليه القلوب والآذان .. ولكن القلب لا يغسل بالماء والصابون، إن له غسلًا آخر .. ليس من مادة هذه الأرض .. بالتوبة والاستغفار والإقلاع عن الذنب.
وتعمَّد يسار أن يتأخر أكثر من أي يوم .. ولاحظت أمه أنه بينما كان يحثها على إعداد الفطور بسرعة، إذا به يسكت فيتركها تعده على مهل.
كانت البيوت تقف على جانبي الطريق متصلة ببعضها، إلا فتحات قليلة تؤدي إلى النهر، وتطل الأصص بالأزهار الملونة من الشرفات، وتبدو الستائر ذات الألوان الزاهية عندما تفتح البيوت التي تواجه النهر نوافذها تستقبل الشمس.
ومضى يسار في الطريق، وكان مرتاح القلب مسرورًا؛ لأنه انتبه إلى نفسه، فعالجها وغسل قلبه من صورة الجارية وصوتها و .. وكان معظم المارة يسلِّمون عليه، ويسلِّم عليهم، والتقى في طريقه بالعم عثمان .. وكان هذا شيخًا تجاوز المائة من العمر، أبيض شعر الرأس واللحية، أحمر الوجه، احتفظ باعتدال قامته وشيئًا من نشاطه، وكان يستند بيده اليمنى على عصا غليظة، وكان قد قضى ما يزيد على الثمانين من عمره يعمل في البحر .. تاجرًا وبحارًا وربانًا .. حتى لقب بحق، بأبي البحر.
وقف العم عثمان يسأل يسارًا عن حاله وعن والده ووالدته وعن أخته الصغيرة .. ثم مضى يحدثه دون مقدمات عن إحدى رحلاته إلى بلاد الصين، عندما غرقت السفينة وقذفه الموج إلى الشاطئ. ثم لجأ إلى قرية، لما علم أهلها أنه مسلم وأنه من بلاد العرب، وأنه رأى مكة والمدينة وأدى فريضة الحج ..
هنا أخذ العم عثمان يسعل بشدة، حتى تحول لون وجهه إلى مثل لون الدم .. فلما هدأ ضرب الأرض بعصاه وقال:
-أتدري ماذا فعلوا؟ لقد هجموا علي ومزقوا ملابسي ووزعوها على أهل القرية قطعة قطعة يتبركون بها .. ثم طلبوا إليَّ الإقامة عندهم، فلما أخبرتهم بأني أريد العودة إلى أهلي وبلادي، جاءوا بجميع فتيات القرية، وعرضوا عليَّ اختيار من أريد لكي أتزوجها وأقيم عندهم ..