-وما الذي يمنعها من التوبة؟
الله يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن كثير.
قال وهو يرفع رأسه الذي تساقط عليه الرذاذ، وقال:
-ربما تريد أن تبوح لك بسر ..
ودق قلب يسار وهو يحرك شفتيه:
-سر؟
ولم يشعر يسار إلا كما يشعر السابح الذي ألقي في اليم، فنال منه الجهد والتعب، وأخذت الأمواج تتقاذفه إلى حيث تشتهي ولا يشتهي .. !!
قال أبو العرفان: وفي الطريق سأله الخادم قائلًا:
-لقد قلت لي مرة .. اتق الله واجتنب المعاصي.
والتفت يسار، ليرى مدى الصدق في سؤاله، فلم يستطع أن يتبين من معالم وجهه. ولكن نبرات صوته أوحت بأكثر مما يستطيع وجهه الملفوف بالظلام أن يوحي. وكان الرذاذ الخفيف اللطيف ينزل متمهلًا وكأن السماء تداعب به وجه الأرض.
وأجاب يسار بعد أن سار خطوات وقال:
-اترك ما أنت فيه ..
وقبل أن يسأله الخادم، وقف وأضاف:
-إن أرض الله واسعة.
كانت الفوانيس تبدو باسمة مستسلمة مسرورة بما ترسل السماء من رذاذ، وكان بعضها يبدو خائفًا وجلًا قد انخنس نوره مترقبًا لما قد تأتي به بعد ذلك، ولاسيما في هذا الموسم من آخر الشتاء.