ولما اقتربا من بيت الجارية، قال يسار:
-لا تتركني وحدي ..
ولم يفهم الخادم ما يريد .. فأضاف موضحًا:
-لا يجوز لرجل أن يختلي بامرأة غريبة عنه.
عندما فتح الخادم باب الغرفة التي ترقد فيها الفتاة، طارت إلى أنف يسار رائحة مسك فتيق، وبدت الغرفة في تأثيث فاخر، وفي صدرها سرير قرطبي، يتدلى فوقه سراجان يقال أن حكيم بن محمود قد أتى بهما من بلاد الفرنك، في آخر سفرة له إلى تلك البقاع. وقد تمددت الجارية على ذلك السرير القرطبي بعد أن وصل الغطاء الأبيض الموشى بخيط الموصلين إلى صدرها .. وارتاح شعرها الأسود الطويل على ترائبها.
كانت الجارية تئن وتتأوه، وتتلوى من الألم. ولم يصدق يسار أول الأمر، وقد تسمرت قدماه في أول الغرفة، وظن أنه قد خدع! ولكن تردده لم يطل .. فقد التفتت إليه بعينيها المتضرعتين، فخفق فؤاده وانجذب إليها كالمسحور، حتى إذا صار قريبًا منها قال بصوت اجتهد أن يكون خافتًا كأنه من دنيا الأحلام:
-سرشير ..
وأجابته بعينيها، وهي تصغي إليه، تستمع لألحان صوته العذب، وصدرها الذي يغطي بعضه شعرها الطويل الأسود اللامع، يعلو ويهبط .. وراح يسار يردد كالنائم:
-كيف حالك يا سرشير؟
وتبسمت وهي تغالب دمعة متألمة، وقالت بصوت يشبه الأنين:
-لقد خشيت أن أموت ولا أسمع اسمي يتردد على لسانك ..