فتنهَّد وقال:
-من يوم التقيت بالشاب العابد الزاهد يسار ..
ومضى يتكلم عنه بصوت عميق يوحي بشدة تأثُّره:
-أنت لا تدرين أي رجل هذا! إنني أنظر إليه من بعيد، فأراه كأنه ذهب إلى الآخرة، واطَّلع على ما فيها ثم عاد إلى الدنيا، فهو دائم الرغبة والرهبة .. لا تغادره صورة المعذبين في النار، ولا صور المتنعمين في جنات النعيم ..
إنه رجل .. لا يعرفه كثير من الناس.
كانت تصغي إليه، وتود لو مضى في وصفه أكثر مما وصف .. إنها تدري أي رجل هو .. فمنذ اللحظة الأولى، منذ رأته في بيت حكيم بن محمود، عرفت أنه لا كالرجال الذين رأتهم، إنه نسيج وحده .. ولذلك فقد أشفقت عليه من نفسها، وأشفقت على نفسها منه.
ومضى مريد يقول:
-منذ التقيت به لأول مرة، وأنا أفكر في الكلمات التي قالها لي .. قال: بل أنت مريد .. المريد هو صاحب الإرادة القوية .. اتق الله واجتنب المعاصي .. وفكرت في نفسي، وفكرت فيك، وفكرت في يسار .. هذا الفتى الذي يملك المال والقوة والجمال .. مَنْ مِن النساء من لا ترغب في يسار .. ؟
ولكنه الفتى النظيف الذي لا يدع شيئًا يلوِّث قلبه الأبيض. لا يغرنك بعض ما ترين من نزوله .. فإنه لا ينزل إلا ليعلو، ولا يدنو إلا ليبتعد، ولا يهبط إلا ليحلِّق .. إنه رجل يحاسب نفسه بعد كل هفوة يرتكبها .. ولا يزال بها حتى يقيمها على الجادة البيضاء.
وسكت مريد، وظل صدره العريض يعلو ويهبط، وكان يبدو كالبركان الذي ضاق بالنار المتأججة في صدره فأراد أن يقذفها ..