إنها تستطيع أن تتصور كل مشكلة يمكن أن يقع فيها إلا هذه المشكلة!! إن عاصفة قوية قد هبَّت على قلبه فأشاعت فيه الحيرة والقلق، ولكنه أسدل عليها ستارًا من التصبُّر والتجمُّل محاولًا كتمانها وعدم ظهورها للعيان .. ولكنها ظهرت ..
رغم كل ما كان يبذله من مقاومة.
أما أبوه، فلم يلتفت على حاله، فقد كان مشغولًا بالسوق طول يومه، حتى إذا عاد إلى البيت، عاد متعبًا منهوك القوى، لا يود سماع شيء يكدر عليه هدوءه وراحته!
ولم يغب حاله عن أخته الصغيرة اللطيفة الوديعة سناء، فكانت تنظر إليه وتتألم .. وتسأله في كل مرة:
-ماذا ألمَّ بك؟
فلا يجيب إلا بتنهدة عميقة، أو زفرة حارة، أو يشح بوجهه عنها، فتنطلق وراء قطتها ..
وكان يسار قد استنفد قواه، ونال منه الجهد، ولم يعد يحتمل مجاهدة نفسه، فقد استطاعت الجارية أن تتغلغل إلى شغاف قلبه .. فلما انجذب إليها ذلك الانجذاب العجيب .. أخذت تتهرب منه!!
فاضطرمت النار في أحشائه، وتغيرت حاله، وصار لا يقر له قرار، وشعر بوحشة قاتلة، ويأس مرير، ولم يعرف كيف يداوي ما به، ولا يريد أن يداوي ما به!
لم يعد له ذلك الهدوء اللطيف، والطمأنينة التي يجدها في جنب الشيخ وهو يستمع إلى حديثه الذي يملأ القلب نورًا وبهجة، وإيمانًا ويقينًا ..
وصار يتلوَّى كما يتلوى السقيم ..
ولم يرحم أبو محمود حاله، فأخذ يشير عليه أن يداوي ما به بشرب الخمر!!