الصفحة 2 من 33

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الغرض من التأويل إدراك الحقيقة وإصابة مراد الشارع، وهذا يستلزم شروطا ودليلا قويا يصرف اللفظ عن ظاهره ليكون مراد الشارع المعنى المؤول، لإن حمل اللفظ على ما يطابق الظاهر أولى من حمله على ما يوجب ترك الظاهر.

ولما كان التأويل لنصرة مذهب أو تعصب أبعد من أن يكون تأويلا مقبولا؛ استبعدناه من هذا البحث، لنقف عند ما ذكره العلماء من تأويلات قد يكون سببها شبهة كتعارض مثلا، أو يكون سببها فهما جديدا للنص بسبب معرفة علة الحكم الذي نص عليه ظاهر الحديث.

وقد بذل العلماء جهدا كبيرا في التوفيق بين الأدلة، فقد خص ابن قتيبة والطحاوي وابن فورك كتبا خاصة لرفع التعارض بين الحديث ومثله أو غيره من الأدلة، وكان التأويل من أهم الطرق في التوفيق بين المتعارضات، حيث أمكن العمل بالدليلين دون العدول أو ردِّ أحدهما.

وكذلك لم يكتف البخاري بمهمته الحديثية في صحيحه، فإن نزعته الفقهية وشخصيته العلمية ظهرت من خلال تراجمه لحل التعارض بالتأويل، وكان لابن حجر فضلا في فتحه لفهم مراد البخاري.

ولكن ما طرحه العلماء من تأويلات لا يدخل ضمن المسلمات، فهذا الجهد البشري يبقى ضمن الاحتمالية والاجتهاد، وقد يظهر الأمر واضحا في ردود العلماء وتعقيباتهم على بعضهم البعض بالتعسف في التأويل.

إن التأويل فرض وجوده في سنة نبينا - صلى الله عليه وسلم - من خلال أمرين: فهم السنة النبوية من جهة، وقبول الأحاديث وردها من جهة أخرى، فالتوفيق بين حديث وآية أو حديث آخر ظاهرهما التعارض متوقف على تأويل أحد الدليلين بحيث يتآلف مع الآخر، وإلا فالترجيح.

إن إشكالية البحث تدور حول سؤالين هامين:

الأول: هل وظف التأويل لإدراك الحقيقة؟ أم كان حتميا لظاهرة غير طبيعية فرضها تعارض الأدلة؟

الثاني: هل يمكن أن يوظف التأويل في فهم الأحاديث مقاصديا والعدول عنها، ولو لم يكن هناك تعارض؟

في هذا البحث محاولة للإجابة عن هذين السؤالين، راجين من الله عز وجل التوفيق، وهو من وراء القصد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت