الصفحة 25 من 33

المبحث الثالث: التأويل في ضوء المقاصد

عرف ابن عاشور المقاصد بأنها المباني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة [1] .

أما التأويل _أي الصحيح_ فقد نص ابن القيم على أن الهدف منه: إدراك الحقيقة التي يئول إليها المعنى التي هي أَخِيَّتُهُ وَأَصْلُهُ [2] .

فالعلاقة بين التأويل والمقاصد علاقة تكاملية، فمجموع معرفة مراد الشارع من الأدلة هو الذي أتى بالمقصد، ثم يختص المقصد بقوة احتكام بعض النصوص المتفردة، في قبولها أو ردها، أو فهمها فهما مقاصديا بحيث يكون هناك قرينة قوية في صرف ظاهر النص إلى ذاك التأويل.

يقول الثعالبي الفاسي"فكان هذا الفريق من الفقهاء يبحث عن تلك العلل والحكم التي شرعت الأحكام لأجلها، ويجعل الحكم دائرا معها وجودا وعدما، وربما رد بعض الأحاديث لمخالفتها لهذه العلل ولاسيما إذا وجد لها معارض" [3] .

إن الفريق الذي أشار إليه الفاسي يمثل رأي جمهور الفقهاء في تفعيل المقاصد في فهم الحديث فهما مقاصديا أو رده لمعارضته المقاصد، وهذا النتيجة ظهرت من خلال الملاحظة في التطبيق.

إن التأويل في ضوء المقاصد يقسم إلى تأويل سببه تعارض حديث آحاد مع مقصد قطعي، وهذا يشمل القسم الأول من هذا المبحث، أو تأويل سببه معطيات جديدة مرتبطة بحكمة الحديث وعلته التي يدور الحكم معها وليس مع ظاهر النص، وأطلقنا عليه التأويل المعلل وهو محور القسم الثاني من المبحث.

إن الحكم على بعض الأحاديث بالصحة وقد عارضت مقاصد الشريعة؛ هي التي ولدت ظاهرة التأويل التعارضي، وقد يكون رد الحديث أولى من تأويله تأويلا بعيدا، وقد ذكرنا فيما سبق أمثلة قد عارضت أدلة أخرى إضافة إلى المقاصد، كما في حديث"إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه".

إن من أوضح الأمثلة التي توضح المسألة ما روته عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -"من مات وعليه صوم صام عنه وليه"ومن طريق ابن عباس عند مسلم"أن امرأة أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت إن أمي ماتت وعليها صوم شهر"

(1) مقاصد الشريعة: 50.

(2) ينظر: إعلام الموقعين لابن القيم: 1/ 454.

(3) الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، الثعالبي الفاسي: 1/ 386.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت