الصفحة 7 من 33

يحذر ابن القيم من خطورة التأويل إذا استخدم في غير مكانه ومن غير أهله، كما وقع في الأديان السابقة، وبعض الفرق الإسلامية، فيقول:"فَأَصْلُ خَرَابِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا إنَّمَا هُوَ مِنْ التَّأْوِيلِ الَّذِي لَمْ يُرِدْهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِكَلَامِهِ وَلَا دَلَّ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُرَادُهُ، وَهَلْ اخْتَلَفَتْ الْأُمَمُ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ إلَّا بِالتَّأْوِيلِ؟ وَهَلْ وَقَعَتْ فِي الْأُمَّةِ فِتْنَةٌ كَبِيرَةٌ أَوْ صَغِيرَةٌ إلَّا بِالتَّأْوِيلِ؟ فَمِنْ بَابِهِ دَخَلَ إلَيْهَا، وَهَلْ أُرِيقَتْ دِمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْفِتَنِ إلَّا بِالتَّأْوِيلِ؟ وَلَيْسَ هَذَا مُخْتَصًّا بِدِينِ الْإِسْلَامِ فَقَطْ، بَلْ سَائِرُ أَدْيَانِ الرُّسُلِ لَمْ تَزَلْ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ وَالسَّدَادِ حَتَّى دَخَلَهَا التَّأْوِيلُ فَدَخَلَ عَلَيْهَا مِنْ الْفَسَادِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا رَبُّ الْعِبَادِ. [1] "

وقد بدت بعض شروط التأويل الصحيح واضحة من خلاله تعريفه، ومع ذلك فقد نص العلماء على شروط التأويل ليكون صالحا ومقبولا، ليخرج بذلك التأويل المطلق أو الفاسد، وهي [2] :

-أن يكون الناظر المتأول أهلا لذلك.

_ أن يكون اللفظ مما يقبل التأويل أصلا وداخلا في مجاله.

_ أن يقوم التأويل على دليل صحيح قوي يؤيده، أو أن يكون الدليل الصارف للفظ عن مدلوله الظاهر راجحا على ظهور اللفظ في مدلوله.

_ أن يكون اللفظ محتملا للمعنى الذي آل إليه لغة أو من عرف الاستعمال أو عادة الشرع.

_ ألا يتعارض التأويل مع نصوص قطعية الدلالة في التشريع.

_أن يكون المعنى الذي يؤول إليه النص أرجح من معناه الظاهر الذي صرف عنه وذلك بدليل مرجح.

_ وهناك شرط هام يتعلق بالحديث وهو ثبوت صحة الحديثين المتعارضين في حال تأويلهما [3] .

-وذكر الغزالي شرطا هاما وعزاه لبعض الأصوليين وهو أن لا يؤدي التأويل لرفع النص أو شيء منه، فقال:"قال بعض الأصوليين كل تأويل يرفع النص أو شيئا منه فهو باطل" [4] .

-التأويل لإصابة مراد الشارع: هذا هو الأصل في التأويل، لأن الغرض من التأويل إدراك الحقيقة التي يئول إليها المعنى التي هي أَخِيَّتُهُ وَأَصْلُهُ [5] ، لذلك لم يعترض النبي - صلى الله عليه وسلم - أو يعنف من خرج عن أمره من الصحابة عندما أمرهم أن لا يصلّوا العصر إلا في بني قريظة، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا

(1) إعلام الموقعين: 5/ 127.

(2) ينظر: الإحكام للآمدي: 3/ 54، والموافقات للشاطبي: 3/ 64 - 65، والبحر المحيط للزركشي: 4/ 328، والمناهج الأصولية للدريني: 1/ 204 - 220.

(3) ينظر: خياط، مختلف الحديث: 130.

(4) المستصفى: 1/ 498. وذكر مثالا على ذلك تأويل أبي حنيفة حديث"في كل أربعين شاة شاة"بجواز دفع مقدار قيمة الشاة من أي مال كان، وهو الواجب، فالشاة بعينها ليست واجبة، فقال: هذا باطل؛ لأن اللفظ نص في وجوب شاة، وهذا رفع وجوب الشاة فيكون رفعا للنص.

(5) ينظر: إعلام الموقعين لابن القيم: 1/ 454.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت