نصلي حتى نأتيهم، وقال بعضهم: بل نصلي لم يرد لنا ذلك، فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يعنف أحدا منهم" [1] . فبعض الصحابة حملوا النهي على حقيقته، ولم يبالوا بخروج الوقت، ترجيحا للنهي الذي هنا على النهي في تأخير الصلاة عن وقتها، وأما البعض الآخر فقد حمل النهي على المجازية، وقالوا: إنه كناية عن الحث والاستعجال والإسراع إلى بني قريظة، فصلوا قبل أن يصلوا إلى بني قريظة [2] ."
-التأويل عند التعارض مع دليل آخر أو مذهب:
إن الأصل عند الجمهور الجمع بين الحديثين ما أمكن، والتأويل ركن أساسي في ذلك، فقد اشتهر عن ابن خزيمة مقولته:"لا أعرف حديثين صحيحين متضادين، فمن كان عنده فليأتي به لأؤلف بينهما" [3] ، فهذه القاعدة تظهر أن التأويل ليس مجرد حالة يقتضيها النص بحد ذاته، بل أصبح ضرورة يلجأ إليه عند تعارض الأدلة وذلك لغرض توفيقي أو حل مشكلة.
وأشار الشاطبي إلى أهمية التأويل في إبطال دعاوى النسخ فقال:"إن غالب ما ادعي فيه النسخ إذا تأمل وجدته متنازعا فيه، ومحتملا، وقريبا من التأويل بالجمع بين الدليلين على وجه، ..." [4] .
ويؤكد هذه القاعدة الكرخي بقاعدة شبيهة تخص أصحابه الحنفية، وتتمثل بأن كل آية أو حديث يخالف قول أصحابه أي الحنفية، فهو إما منسوخ، أو مرجوح، أو يحمل على التأويل من جهة التوفيق [5] .
-تطرّقُ التأويل للحديث قد يكون دلالة على قبوله:
نص الغزالي في المنخول على قاعدة هامة تتعلق بأحاديث الصفات وهي:"كل خبر مما يشير إلى إثبات صفة للباري تعالى يشعر ظاهره بمستحيل في العقل نظر إن تطرق إليه التأويل قبل وأول وإن لم يندرج فيه احتمال تبين على القطع كذب الناقل" [6] .
وحرر الزركشي هذه القاعدة على لسان الغزالي بقوله"وَأَمَّا أَحَادِيثُ الصِّفَاتِ فَكُلُّ مَا صَحَّ تَطَرُّقُ التَّأْوِيلِ إلَيْهِ وَلَوْ عَلَى بُعْدٍ قُبِلَ، وَمَا لَا يُؤَوَّلُ، وَأَوْهَمَ فَهُوَ مَرْدُودٌ" [7] .
وذكر بعض الأصوليين تأويل العلماء للحديث دلالة على صحته، قياسا على الاحتجاج به فالاحتجاج بالحديث يستلزم قبوله، وكذا تأويله يستلزم ذلك، وإلا لم يحتج إلى تأويله، ولكن اعترض عليه أن كثيرا من التأويل قائم على افتراض الصحة، أي لو صح الحديث فتأويله كذا، بخلاف الاحتجاج به، فهو قائم على ظنهم صحته [8] .
(1) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب مرجع النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأحزاب ..:4/ 1510، وصحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب المبادرة بالغزو ...: 3/ 1391.
(2) ينظر: فتح الباري: 7/ 410.
(3) فتح المغيث للعراقي: 329.
(4) الموافقات: 3/ 106.
(5) تأسيس النظر، للدبوسي: 169 - 171.
(6) المنخول: 1/ 379.
(7) البحر المحيط: 5/ 408. قال الغزالي:"إن كل ما لا تأويل له فهو مردود وما صح وتطرق إليه التأويل قبل". المنخول: 1/ 381.
(8) وقد نقله الترمسي عن ابن السمعاني وغيره، ينظر: منهج ذوي النظر، للترمسي: 103 - 104.