إن نسبة العلة للتأويل، تعني أن سبب تأويل الحديث علة الحكم الذي دل عليه ظاهر الحديث، وهذا ما يميزه عما سبقه من توظيف، فلا تعارض هنا بين حديث ودليل آخر، ولا اعتراض على صحة الحديث، إنما هناك مقصد شرعي فرض نفسه على حديث ما، بانت علته، فيعدل عن ظاهره ويحمل محملا آخر يصيب مراد الشارع حيث كانت تلك الأحكام معللة.
إن البعد الزماني ومعطيات العلوم الجديدة قد يخدم هذا التأويل، ويجعل من ذاك ائتلافا وتوافقا يحقق صلوحية هذا الدين لكل زمان ومكان، ونوضح ذلك من خلال مثالين:
المثال الأول: عن عائشة أنها قالت اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام فقال سعد هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه، انظر إلى شبهه وقال عبد بن زمعة هذا أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي من وليدته، فنظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى شبهه فرأى شبها بينا بعتبة فقال هو لك يا عبد، قالت فلم ير سودة قط" [1] ."
إن ظاهر الحديث يدل أن الولد إنما يلحق بالأب بعد ثبوت الفراش، قال الشوكاني:"وهو لا يثبت إلا بعد إمكان الوطء في النكاح الصحيح أو الفاسد وإلى ذلك ذهب الجمهور" [2] .
وسبب ورود الحديث يدل أيضا على أن الحديث جاء في مقام التنازع والقضاء، لذلك خص كثير من العلماء الولد للفراش عند التنازع، أما عند عدم التنازع فالأصل أن يلحق الولد بمن يدعيه، وهذا ما عرف عن الصحابي عمر - رضي الله عنه - في خلافته [3] .
إن ظاهر الحديث يطرح تساؤلا لفهم جديد وهو: هل أثبت النبي - صلى الله عليه وسلم - البنوة على من قال بها، بناء على أن الفراش قرينة قوية تَرجُح على الشبه والقافة، لما فيها من غلبة ظن، وكون الأصل أن يكون الولد من صاحب الفراش، أم أثبت البنوة لأن الفراش عقد شرعي يثبت به الحكم وما عداه ملغى؟.
إن ظاهر نص الحديث قد يفيد أن الفراش يعبر هنا عن عقد شرعي وليس قرينة، ولكن هذا الاحتمال ينغصه ما أشكل على الفقهاء، إذ كيف يحكم النبي - صلى الله عليه وسلم - الولد لزمعة كونه على فراشه ثم يأمر بنت زمعة بالاحتجاب عنه، والعقد الشرعي يقتضي المحرمية عليه؟ [4] .
أجاب العلماء بعدة احتمالات، منها: أن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - لسودة بالاحتجاب هو من باب الندب والاحتياط، قال النووي:"لأنه في ظاهر الشرع أخوها، لأنه ألحق بأبيها لكن لما رأى الشبه البين بعتبة بن أبي وقاص خشي أن يكون من مائه فيكون أجنبيا منها فأمرها بالاحتجاب منه احتياطا" [5] .
(1) صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب للعاهر الحجر: 6/ 2499، صحيح مسلم، كتاب الرضاع، باب الولد للفراش:2/ 1080
(2) نيل الأوطار: 7/ 47.
(3) ينظر: القبس لابن العربي: 3/ 916 - 919، وابن القيم، زاد المعاد:5/ 425، وابن حجر: فتح الباري: 12/ 34.
(4) فتح الباري: 12/ 34.
(5) شرح مسلم: 10/ 39.