إلا أن سبب ورود الحديث وسؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن طريقة تصرفهم بالأرض، فأجابهم بمنع كرائها حسب ما ذكر يضعف هذا التأويل، ولو كان المراد المواساة لما جعل أحد الاختيارات إمساكها، والمقام هنا مقام تفصيل.
ثانيا_ حمل النهي في الحديث عن كرائها بغير الدينار والدرهم، فقد سأل الراوي رافع"فقلت لرافع فكيف هي بالدينار والدرهم فقال رافع ليس بها بأس بالدينار والدرهم" [1] .
إن الإثارة في هذا المثال ما علق به ابن حجر على هذه الرواية فيقول:"يحتمل أن يكون ذلك قاله رافع باجتهاده، ويحتمل أن يكون علم ذلك بطريق التنصيص على جوازه أو علم أن النهي عن كراء الأرض ليس على إطلاقه، بل بما إذا كان بشيء مجهول ونحو ذلك فاستنبط من ذلك جواز الكراء بالذهب" [2] .
إن هذه الاحتمالات التي ذكرها ابن حجر تَضْعُفُ أمام سكوت رافع عندما واجهه ابن عمر بما عهده في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - قائلا:"قَدْ عَلِمْتَ أَنَّا كُنَّا نُكْرِي مَزَارِعَنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِمَا عَلَى الْأَرْبِعَاءِ وَبِشَيْءٍ مِنْ التِّبْنِ" [3] ، فلماذا لم يوضح له الالتباس الذي وقع له، علما أن سماع ابن عمر لحديث رافع_كما ورد في بداية الحديث_ كان في إمارة معاوية، والذي يدور في الخاطر أن أهل المدينة أهل زرع، فالأولى أن يشتهر عندهم قولا وفعلا، فكيف غاب هذا الحكم أو الحديث عن ابن عمر طول هذه السنين وهو مما تعم به البلوى.
إن الاحتمال الأول الذي ذكره ابن حجر بأن رافع اجتهد في تخصيص الحديث، أرجح من غيره، لما ورد من روايات أخرى وشواهد على رواية النهي عن كراء الأرض على الإطلاق.
ولكن قد نصل هنا إلى ربط الحديث بفكرة البحث من خلال توظيف رافع التأويل، مستشهدا بملاحظة ابن عاشور في سبب اختلاف الروايات عن رافع، فيقول:"ويظهر أن رافع لما أكثر الصحابة من مخالفته تأول روايته ... فجعل محمل النهي ما في عقود قومه من المخاطرة" [4] .
_ رد الحديث: إن من عدل عن الحديث كليا هم كثر، وقد ذكرهم النووي وعلى رأسهم الإمام أحمد والصاحبان وأجازوا كراء الأرض بجميع الصور التي نهي عنها فقالوا: تجوز إجارتها بالذهب والفضة وتجوز المزارعة بالثلث والربع وغيرهما، ثم قال النووي: وهو الراجح المختار [5] .
وقد بين ابن عبد البر وابن رشد عن سبب عدول الإمام أحمد عن حديث رافع بأن ألفاظه مضطربة ومعانيه مختلفة، ويدل على ذلك ما جاء في إحدى روايات مسلم"ولا تبيعوها"وقد أوّل الراوي البيع بالكراء [6] .
(1) صحيح البخاري، كتاب المزارعة، باب كراء الأرض بالذهب والفضة: 2/ 826.
(2) ينظر: فتح الباري: 5/ 26.
(3) صحيح البخاري، كتاب المزارعة، باب ما كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يواسي بعضهم ....: 2/ 825.
(4) مقاصد الشريعة: 22.
(5) ينظر: شرح مسلم: 10/ 198. وأما أهل الظاهر فقد تجاوزوا حديث ابن عمر وابن عباس وتمسكوا بحديث رافع وأطلقوا النهي في كراء الأرض، ينظر: المحلى، ابن حزم: 8/ 190
(6) صحيح مسلم، كتاب البيوع، باب كراء الأرض: 8/ 137، وينظر: التمهيد: 3/ 33، وبداية المجتهد: 2/ 199. وإن ما يؤكد أن في الحديث جدلا، ما علق به ابن حجر على صنعة البخاري الحديثية، فقد ذكر شاهدين آخرين لحديث رافع من طريق أبي هريرة و جابر، ليرد على من زعم أن حديث رافع فرد أو أنه مضطرب، مشيرا لصحته. ينظر: فتح الباري: 5/ 24.