الصفحة 9 من 33

المبحث الثاني: أثر تعارض الأدلة في مفهوم التأويل

يقول السرخسي:"اعلم بأن الحجج الشرعية من الكتاب والسنة لا يقع بينهما التعارض والتناقض وضعا، لأن ذلك من أمارات العجز والله يتعالى عن أن يوصف به، وإنما يقع التعارض لجهلنا بالتاريخ فإنه يتعذر به علينا التمييز بين الناسخ والمنسوخ" [1] .

إن مفهوم كلامه أن المشرع لا يمكن أن يضع أمامنا نصوصا وأدلة متعارضة، ثم يترك لنا التوفيق بينها، بل قد يكون سبب ذلك جهلنا بتاريخ الناسخ والمنسوخ، مما أدى إلى التعارض في ذهننا.

إن أسباب التعارض بين الأدلة كثيرة، نص عليها العلماء، منها ما يتعلق بالراوي، ومنها ما يتعلق بالمروي [2] ، وهذا ينفي أن يكون هناك تعارض حقيقي، وإلا وجب تركهما أو تساقطهما [3] .

إن مهمة التأويل تقوم على الجمع بين الدليلين المتعارضين ولكن بشرط ذكره ابن حجر، قال:"وإن كانت المعارضة بمثله فلا يخلو إما أن يمكن الجمع بين مدلوليهما بغير تعسف أو لا" [4] .

فلو أمكن التأويل بين أي دليلين من غير تعسف، انتفى التعارض، وحمل على أنه تعارض ظاهري، وهذا يدلل على أهمية التأويل في مثل هذا التعارض، فهو حافظ على قبول الدليلين من جهة، ووفق بينهما من جهة أخرى. يقول الآمدي:"ولا يخفى أن الجمع بين الدليلين على وجه يلزم منه تأويل أحدهما أولى من العمل بأحدهما وإبطال الآخر" [5] .

إلا أن معيار الحكم على الدليلين بالتعارض الحقيقي أو الظاهري أمر نسبي عند العلماء، يختلف من مجتهد لآخر، والكم غير يسير في وقوع الاختلاف في ذلك [6] ، وقد يستوجب ذلك الوقوف على ما حكموا عليه تعارضا من خلال تبني بعض الأحاديث وتصحيحها، وهو أمر اجتهادي أيضا، إضافة إلى اختلافهم في قبول التأويل أو رده بناء على أنه صحيح أو باطل.

ويؤكد ذلك الطاهر الجزائري قائلا:"وطرف ممن يدعي إتباع الحديث والعمل به، كلما وجد لفظا في حديث قد رواه ثقة ورأى حديثا بإسناد ظاهره الصحة يريد أن يجعل ذلك من جنس ما جزم أهل العلم بصحته حتى إذا عارض الصحيح المعروف أخذ يتكلف له التأويلات الباردة أو يجعله دليلا في مسائل العلم". [7]

(1) أصول السرخسي: 2/ 12.

(2) ينظر: التعارض في الحديث، الصغير: 74 - 109.

(3) شرح نخبة الفكر: 76.

(4) ن م: 73.

(5) الإحكام للآمدي: 4/ 293.

(6) ومن أفضل الكتب التي تظهر مسائل الاختلاف، وتحرر محل النزاع فيما كان سببه تعارض الأدلة، كتاب بداية المجتهد لابن رشد.

(7) توجيه النظر: 2/ 741. وممن سلك هذا المسلك ابن فورك في كتابه مشكل الحديث، حيث دافع عن بعض الأحاديث بطريقة تأويلية تعسفية، بل ولم ينطلق في تأويله من قبول اللفظ للتأويل، وإنما قناعة منه أن الحديث مقبول، ولذلك يُعنّون= =لتلك الأحاديث،"ذكر خبر يقتضي التأويل ويوهم ظاهره التشبيه"، وقد ذكر مثالا تحت هذا الباب يدافع عنه:"أن الله خلق الملائكة من شعر ذراعيه، وصدره أو من نورهما"ينظر: مشكل الحديث، لابن فورك: 41 - 42.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت