إن ابن حجر ردّ على ابن قتيبة وعائشة بأن وافق أبا هريرة عددٌ من الصحابة [1] ، بل اشتهر حديث الشؤم عن ابن عمر، وقد شاركه به بعض الصحابة مع اختلافهم في المتن، وقد روى الشيخان وأصحاب السنن حديث الشؤم عن ابن عمر وجابر وسهل بن سعد دون أبي هريرة.
إن ما يؤكد ضعف نسبة حديث الشؤم عن أبي هريرة، _علما أن أصحاب الكتب الستة لم يروه عن أبي هريرة _، ما فاجأنا به الإمام أحمد بسنده أنه: سُئِلَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الطِّيَرَةُ فِي ثَلَاثٍ فِي الْمَسْكَنِ وَالْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ؟، قَالَ: قُلْتُ: إِذَنْ أَقُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَا لَمْ يَقُلْ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ أَصْدَقُ الطِّيَرَةِ الْفَأْلُ وَالْعَيْنُ حَقٌّ" [2] ."
فهذا النص واضح وصريح في تبرئة نفسه مما نسب إليه، ولكن أليس الأجدر أن يُسأل هذا السؤال من اشتهر عنه رواية الشؤم كابن عمر، بينما في هذه الرواية وفي حديث عائشة اشتهر الحديث عن أبي هريرة.
وربما حاول بعض الرواة تبييض صورة المرأة وجعلها سببا من أسباب اليمن طبعا مع قرنائها وهما الفرس والدار، فقد روى الترمذي بصيغة التضعيف فقال:"وَقَدْ رُوِيَ عَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَال سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"لَا شُؤْمَ وَقَدْ يَكُونُ الْيُمْنُ فِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ. وعقب ابن حجر عليه بأن إسناده ضعيف ومخالف للأحاديث الصحيحة [3] .
إن هذا المثال يسلط الضوء على المنهج النقدي عند المحدثين في قبول الأخبار، حتى نغرق بمثل هذه التأويلات والاختلافات التي يأباها سطوع هذا الدين ووضوحه، ولا نعتقد أن لغة النبي - صلى الله عليه وسلم - بلغت من التعقيد ما تحتاج إلى هذا الكم من التأويلات لنصل إلى مراد الشارع، وقد يكون الإسراف في استخدام التأويل لحل التعارض دلالة على مشكلة حقيقية تكمن ما وراء التعارض.
أختم هنا بما خلص إليه ابن عبد البر، يقول:"فقوله عليه السلام لا طيرة نفي عن التشاؤم والتطير بشيء من الأشياء، وهذا القول أشبه بأصول شريعته - صلى الله عليه وسلم - من حديث الشؤم .... والذي أقول به في هذا الباب تسليم الأمر لله عز وجل وترك القطع على الله بالشؤم في شيء، لأن أخبار الآحاد لا يقطع على عينها وإنما توجب العمل فقط. قال الله تبارك اسمه {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا ... } {التوبة:51} [4] ."
إن أطراف التعارض في الحديث شملت أيضا تعارض الحديث مع الإجماع، ووجه ذلك أن مستند الإجماع هو نص سواء عرفناه أو خفي علينا، لأنه من الاستحالة أن يجمع الناس من غير دليل [5] .
ولكن هل تعارض الحديث مع الإجماع، وهل يمكن الجمع بينهما، وهل سيكون للتأويل دور في ذلك؟.
(1) ينظر: فتح الباري:6/ 61.
(2) المسند: 16/ 85.
(3) ينظر: سنن الترمذي، كتاب الأدب، باب ما جاء في الشؤم: 10/ 31، وينظر: فتح الباري: 6/ 62.
(4) التمهيد: 9/ 285.
(5) انظر: الشوكاني، إرشاد الفحول: 145.