إن جواب ذلك سيكون من خلال مثال رواه الشيخان عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال:"صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا في غير خوف ولا سفر" [1] .
ومحل الشاهد ما نقله الترمذي من اتفاق الأمة على ترك العمل بهذا الحديث، ويريد بذلك الإجماع كما صرح بذلك النووي [2] ، والسؤال لماذا انعقد الإجماع على ترك العمل بهذا الحديث وقد رواه الشيخان في صحيحيهما؟، وما هو الجواب في حل هذا التعارض.
إن ظاهر حديث ابن عباس وقد تفرد به عن باقي الصحابة يفيد بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بدون عذر، وهذا المعنى يخالف ظاهر القرآن {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} {النساء:103} ، وحديث المواقيت [3] ، ويخالف أيضا ما تواتر من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة في عدم الجمع لغير عذر، وهذه النقطة قد تكون موطن اتفاق لدى الجميع، وهذا ما قصده الترمذي في نقل الإجماع على ترك العمل به.
ونقل ابن حجر أن بعض الأئمة تمسك بظاهر الحديث، وجوزوا الجمع في الحضر للحاجة مطلقا لكن بشرط أن لا يتخذ ذلك عادة [4] ، وأرى أن اشتراط الحاجة للجمع في الحضر ليس تمسكا بظاهر الحديث.
-تأويل الحديث: عقب البخاري بعد رواية الحديث بقول أيوب السختياني (أبو الشعثاء) :"لَعَلَّهُ فِي لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ قَالَ: عَسَى". وهذا التأويل من الراوي لم يتجاوز التخمين بقوله"لعل"، ومع ذلك تمسك به الإمام مالك [5] ، وأجاز الجمع بين صلاة المغرب والعشاء في حال المطر، دون الظهر والعصر.
فاعترض عليه ابن رشد، إذ اعتبره أنه أخذ ببعض الحديث وتأوله، وترك بعضه الآخر لكونه عارض عمل أهل المدينة عنده. قال ابن رشد:"فلم يأخذ بعموم الحديث ولا بتأويله: أعني تخصيصه، بل رد بعضه، وتأول بعضه، وذلك شيء لا يجوز بإجماع" [6] .
لذلك انتقد النووي الترمذي في نقله الإجماع على ذلك، لأنه تأوله بعض العلماء وأخذوا به في حال المطر والمرض [7] . لكن انتقاده غير سليم، لأن هذا التأويل ضُعف لتعارضه مع رواية مسلم الصريحة"من غير خوف"
(1) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر: 1/ 489، واللفظ له. صحيح البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب تأخير الظهر إلى العصر: 1/ 201، ولفظه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بالمدينة سبعا وثمانيا الظهر والعصر والمغرب والعشاء فقال أيوب لعله في ليلة مطيرة قال عسى.
(2) ينظر: العلل الصغير للترمذي: 1/ 736، و شرح علل الترمذي لابن رجب: 1/ 4، و شرح مسلم: 5/ 218.
(3) صحيح البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب ...: 1/ 195، صحيح مسلم، كتاب مواقيت الصلاة، باب أوقات الصلوات الخمس: 1/ 426.
(4) فتح الباري: 2/ 24، وينظر: بداية المجتهد: 1/ 125.
(5) موطأ مالك، كتاب قصر الصلاة في السفر، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر والسفر:1/ 144، برواية يحيى الليثي.
(6) بداية المجتهد: 1/ 126.
(7) ينظر: شرح مسلم: 5/ 218.