ولا مطر"وقد ذكر ذلك ابن حجر [1] ، ويرد عليه أيضا أن المطر والمرض تصب في الأعذار، وقد سماه النووي عذرا، ودقة الإجماع عند الترمذي تقوم على أنه من غير عذر مطلق."
ثم ذكر النووي عدة تأويلات وانتقدها، منها: أن يكون الجمع المذكور بعذر المرض، ونحوه، ورده ابن حجر: لأنه لو كان جمعه - صلى الله عليه وسلم - بين الصلاتين لعارض المرض لما صلى معه إلا من به نحو ذلك العذر والظاهر أنه - صلى الله عليه وسلم - جمع بأصحابه وقد صرح بذلك ابن عباس في روايته.
ومنها: من تأوله على أنه كان في غيم فصلى الظهر ثم انكشف الغيم وبان أن وقت العصر دخل فصلاها، وهذا أيضا باطل لأنه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر لا احتمال فيه في المغرب والعشاء.
ومنها: من تأوله على تأخير الأولى إلى آخر وقتها فصلاها فيه فلما فرغ منها دخلت الثانية فصلاها فصارت صلاته صورة جمع، وهذا أيضا ضعيف أو باطل لأنه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل [2] .
تعقب ابن حجر النووي في تضعيف هذا التأويل لكونه أخذ به جمع من العلماء كالقرطبي وغيره، وقواه ابن سيد الناس لأنه مذهب راوي الحديث، ويرجح ابن حجر هذا التأويل بقرينة أخرى أن طرق الحديث كلها ليس فيها تعرض لوقت الجمع، ويؤكد حتمية التأويل بقوله:"فإما أن تحمل على مطلقها فيستلزم إخراج الصلاة عن وقتها المحدود بغير عذر، وإما أن تحمل على صفة مخصوصة لا تستلزم الإخراج، ويجمع بها بين مفترق الأحاديث، والجمع الصوري أولى" [3] .
وربما انتصر ابن حجر لهذا التأويل لأنه ظاهر مذهب البخاري إذ ترجم للحديث"باب تأخير الظهر إلى العصر"، رغم أن نص الحديث عنده في نفسه يرفض هذا التأويل، إذ يشكل على الراوي ويسأل"لعله في ليلة مطيرة، قال عسى"ولو كانت المسألة تأخير وقت الصلاة، لما أشكل عليه.
واعتبر الشوكاني أن الجمع في المطر وغيره عمل بفحوى الحديث فيقول:"قلت وهذا يدل بفحواه على الجمع للمطر والخوف وللمرض، وإنما خولف ظاهر منطوقه في الجمع لغير عذر للإجماع ولأخبار المواقيت فتبقى فحواه على مقتضاه" [4] .
الخلاصة: إن دقة إجماع الترمذي صحيحة، فقد ترك جميع الفقهاء العمل بظاهر الحديث، ومن أوّله بمطر أو مرض أو حاجة، أو بجمع صوري خرج عن ظاهر الحديث، ويبقى في دائرة التخمين المفتقر لدليل.
لذلك ذكر الترمذي في العلل أن هذا الحديث معلول، وأحال إلى الجامع في بيان تلك العلة، وبالرجوع إلى الأخير لم نجد ذكر أي علة، إلا مخالفته للإجماع ومخالفته لما رواه ابن عباس نفسه عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ أَتَى بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْكَبَائِرِ" [5] ."
(1) فتح الباري: 2/ 24.
(2) شرح مسلم: 5/ 218.
(3) فتح الباري: 2/ 24.
(4) نيل الأوطار: 3/ 268.
(5) جامع الترمذي: كتاب الصلاة، بَاب مَا جَاءَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْحَضَرِ: 1/ 313.، وعلق الترمذي على الحديث بأن فيه حنش وهو ضعيف عند أهل الحديث.