الأصل في الخبر أن يتوافق مع موجبات الحس والعقل والتاريخ، وهذا باتفاق العلماء، والتعارض مرفوض، وقد اشتهرت مقولة ابن الجوزي:"ألا ترى أنه لو اجتمع خلق من الثقات، فأخبروا أن الجمل قد دخل في سم الخياط، لما نفعنا ثقتهم ولا أثرت في خبرهم لأنهم أخبروا بمستحيل، فكل حديث رأيته يخالف المعقول، أو يناقض الأصول فاعلم أنه موضوع، فلا تتكلف اعتباره" [1] .
وقريب من هذا ما نص عليه الشافعي أن الأصل في صدق الخبر وكذبه، هو صدق المخبر وكذبه، ومن ثم يستثني من تلك القاعدة ما يلي:"إلا في الخاص القليل من الحديث، وذلك أن يستدل على الصدق والكذب فيه بأن يحدث المحدث ما لا يجوز أن يكون مثله أو ما يخالفه ما هو أثبت وأكثر دلالات بالصدق منه" [2] .
إن هذه المقدمة ضرورية لربط التعارض بالتأويل، ومن ثم فإن توظيف التأويل في غير مكانه سيظهر الخلل الذي وقع به بعض النقاد نتيجة عدم تطبيق القاعدة والضابط الذي نص عليه الشافعي وابن الجوزي، وذكره ابن القيم بوضوح في بيان أمارات الوضع في الحديث، فيقول:"أن يكون الحديث باطلا في نفسه فيدل بطلانه على أنه ليس من كلام الرسول - صلى الله عليه وسلم -" [3] ، ويقول أيضا:"منها أن يكون في الحديث تاريخ كذا وكذا مثل قوله: إذا كان سنة كذا وكذا وقع كيت وكيت، وإذا كان شهر كذا وكذا وقع كيت وكيت" [4] .
إن الأمثلة كثيرة التي تعرض ضمن هذه الفقرة، ولكن نكتفي بهذا المثال الهام الذي رواه الشيخان عن عبد الله - رضي الله عنه - قال:"صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة صلاة العشاء وهي التي يدعو الناس العتمة ثم انصرف فأقبل علينا فقال: أرأيتم ليلتكم هذه فإن رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد" [5] .
وروى الشيخان زيادة في إحدى الروايات:"... قال ابن عمر: فوهل الناس في مقالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك فيما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مائة سنة وإنما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن".
وروى عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - يقول سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم:"يقول قبل أن يموت بشهر تسألوني عن الساعة وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة".
وروى عن جابر أيضا قال قال نبي الله - صلى الله عليه وسلم:"ما من نفس منفوسة تبلغ مائة سنة"فقال سالم تذاكرنا ذلك عنده إنما هي كل نفس مخلوقة يومئذ. وروى عن أبي سعيد - رضي الله عنه - قال لما رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - من تبوك سألوه عن الساعة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم" [6] .
(1) الموضوعات: 1/ 106.
(2) ينظر: الرسالة، الشافعي: 399.
(3) المنار المنيف: 59.
(4) ن م: 110.
(5) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب السمر في العلم: 1/ 55، صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب قوله - صلى الله عليه وسلم - لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم: 4/ 1965.
(6) جميع هذه الروايات في صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب قوله - صلى الله عليه وسلم - لا تأتي مائة سنة ..: 4/ 1965 - 1967.