الصحابة، ثم يقول: أَلَا تَسْمَعُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ أَوْ يَرْحَمُ وَإِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ" [1] ."
وممن صرح برد حديث ابن عمر الشافعيُ، وقد تمسك بما روي عن عائشة، ثم قال:"وما روت عائشة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشبه أن يكون محفوظا عنه بدلالة الكتاب ثم السنة .." [2] .
إن ثمرة هذا المثال ليس ترجيح مذهب على مذهب، أو انتصار لرأي معين، وإنما الوقوف على هذا التباين والاختلاف بين العلماء والنقاد في تأويل نص أو قبوله، ولنقرأ من ورائه سبب التأويل والتعسف في استعماله، ونختم بما قال المباركفوري:"والحق هو ما ذهب إليه الجمهور من تأويل هذه الأحاديث الصحيحة ولا وجه لردها مع إمكان التأويل، ولهم تأويلات بعضها قريبة وبعضها بعيدة، فتؤخذ القريبة وتترك البعيدة" [3] ، علما أن الحق قد يكون على خلاف ما رجحه.
هذا ما يعرف بعلم مختلف الحديث: وهو أن يأتي حديثان متعارضان متساويان يمكن الجمع بين مدلوليهما من غير تعسف [4] ، وهذا أيضا يختلف من مجتهد لآخر، فما يراه أحدهم تعارضا يقتضي التأويل لمساواتهما، يراه الآخر ناسخا ومنسوخا، وقد يراه مجتهد ثالث أنه من باب راجح ومرجوح لعدم مساواتهما.
والأمثلة كثيرة على ذلك منها: ما ذكره ابن قتيبة وغيره مثالا هاما على إمكانية الجمع بين أحاديث متعارضة من خلال التأويل:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة وقد روي عنه من عدة وجوه بين زيادة ونقصان، فروي بلفظ"لا عدوى ولا طِيّر ولا هامة ولا صفر"، وروي بدون"ولا طير"، وروي"لا عدوى ولا هامة ولا نوء ولا صفر"، وروي"لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر وفر من المجذوم كما تفر من الأسد".
وقد روي نفس الحديث عن ابن عمر بلفظ:"لا عدوى ولا طيرة، إنما الشؤم في ثلاث في الفرس والمرأة والدار". ... وقد روي عن جابر بلفظ"لا عدوى ولا طيرة ولا غول".
وأما حديث أنس أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل الكلمة الحسنة الكلمة الطيبة" [5] .
أما الحديث الثاني: فهو ما رواه أبو هريرة أيضا"لا يوردن ممرض على مصح" [6] .
(1) صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب البكاء عند المريض: 1/ 439.
(2) اختلاف الحديث للشافعي: 224 - 225.
(3) تحفة الأحوذي: 4/ 72،
(4) شرح النخبة لابن حجر: 73.
(5) صحيح البخاري، كتاب الطب، باب الجذام، باب الطيرة باب الفأل، باب لا هامة ولا صفر، باب لا هامة: 5/ 2158، و 2171، و 2177 437. وصحيح مسلم، كتاب السلام، باب لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ولا نوء ولا غول ولا يورد ممرض على مصح، وباب الطيرة والفأل ما يكون فيه من الشؤم:4/ 1742 - 1746،
(6) صحيح مسلم، كتاب السلام، باب لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ولا نوء ولا غول ولا يورد ممرض على مصح: 4/ 1743، والبخاري، كتاب الطب، باب لا هامة: 5/ 2177.