وأما الحديث الثالث: فقد روى مسلم عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال:"كان في وفد ثقيف رجل مجذوم فأرسل إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - إنا قد بايعناك فارجع" [1] .
ومحل الشاهد هنا: أن الحديث الأول ينفي أن يكون هناك عدوى، بينما يثبت الحديثان الآخران العدوى.
_ تأويل الأحاديث:
أولا _ العدوى: حاول ابن قتيبة الجمع بين الأحاديث، فبدأ بتأويل حديث الجذام بأن المراد منه ليس العدوى، وإنما الجذام قد يُمرض من باب المخالطة وطول المجالسة لا من باب العدوى، وأن الأطباء لا يريدون معنى العدوى عندما يأمرون بعدم مجالسة المسلول والمجذوم، وإنما يريدون به تغير الرائحة التي قد تسقم من أطال اشتمامها.
إن ما يفهم من تأويله تحصيل حاصل، فهو يفرق بين العدوى وعدمها، بأن الأولى تقع بمجرد الملامسة أو اللقاء، ولذلك خصها في الطاعون فقط، أما الجذام قد يكون سببا للمرض لا بالعدوى وإنما بطول المجالسة.
وهذا التأويل لا يستقيم لا من جهة الطب ولا من جهة النص، فطبيا هناك أمراض تعدي بالهواء، وهناك أمراض لا تعدي إلا بالتماس أو المعاشرة أو غيرها، وكلها تدخل تحت الأمراض المعدية أو الوبائية [2] ، أما من جهة النص فإن هذا التأويل يتنافى مع قوله - صلى الله عليه وسلم -"وفر من المجذوم فرارك من الأسد"فتخيل كم تكون سرعة من يهرب من الأسد، فلو كان الجذام يمرض بالمخالطة وطول المجالسة لما كان هذا الترهيب بالفرار منه.
ثم أوّل ابن قتيبة حديث"لا عدوى"على خلاف الظاهر المتبادر إلى الذهن، وأوّله معنى آخر خارج نطاق الطب، وفسر الحديث أن لا عدوى على من يعتقد أنه أصابه مكروه من المرأة أو الدار لكونه يعتقد أنها تعدي بالشؤم فيقول"أعدتني بشؤمها"فنفى النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا المعتقد بأن المرأة أو الدار تعدي بالشؤم _.
وكون هذا التأويل يتعارض مع رواية"الشؤم في المرأة والدار والدابة"، قرر أن هناك خطأ في هذه الرواية منتقدا أبا هريرة بالوهم، وأنه لم يعِ كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -، _دون أن يتعرض لرواية ابن عمر _، قال ابن قتيبة:"فإن هذا حديث يتوهم فيه الغلط على أبي هريرة وأنه سمع فيه شيئا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يعه" [3] .
بهذه الكيفية والتحكم حل ابن قتيبة التعارض، مطمئنا له رغم عدم تبني العلماء لهذا التأويل لتعسفه وبعده.
لذلك سلك ابن الصلاح مسلكا مغايرا لرفع هذا التعارض والجمع بين حديثي أبي هريرة، من خلال تأويل الحديث الأول بأن الأمراض لا تعدي بطبعها ولكن الله تعالى جعل مخالطة المريض بها للصحيح سببا للعدوى بمرضه، ثم قد يتخلف ذلك بسببه كما في سائر الأسباب، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قصد نفي ما كان يعتقده أهل الجاهلية من أن ذلك يعدي بطبعه، أما في الحديث الثاني فقد أعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الله جعل ذلك سببا لذلك وحذر من الضرر الذي يغلب وجوده بفعل الله سبحانه وتعالى [4] .
(1) صحيح مسلم، كتاب السلام، باب اجتناب المجذوم ونحوه: 4/ 1752.
(2) ينظر: الطب الوقائي والمهني، أحمد أديب دشاش: 19 - 44 - 144.
(3) ينظر: تأويل مختلف الحديث: 104 - 105.
(4) ينظر: مقدمة ابن الصلاح: 285، وهو ما ذهب إليه عدد من العلماء، ينظر: النووي، شرح مسلم: 14/ 213 - 214، وابن حجر، فتح الباري: 10/ 160.